ما العلاقة بين الذكاء والأخلاق؟.. هل يبدو بذيء اللسان ذكيًا وحسن الخلق ساذجًا؟

الجمعة، 01 مارس 2019 11:49 ص
ما هي العلاقة بين الذكاء والأخلاق


هل الإنسان الذكي سليط اللسان؟.. يبدو هكذا بعض الناس الذين يطلقون على أنفسهم بعض المصطلحات التي تعبر عن انفتاحهم وعبقريتهم" ويصفون أنفسهم بـ "المفتحين" أو "الرجل الفتك" الذي لا يستطيع أحد أن يصد لسانه، فيبدو وكأن جرأته على سب غيره سواء كان بشكل هزلي أو بشكل جدي تجعله في نظر الناس "ابن البلد" الذي يدخل قلب غيره للسانه السليط.

كما يبدو الطفل الصغير سليط اللسان أيضًا على أنه الطفل العبقري، فينظر بعض الناس إليه على أنه عبقري زمانه، وقد يتقرب منه الكبار معتبرين أن لسانه المؤذي بالألفاظ السيئة هو دليل ذكاء وخفة دم لا توجد عند أطفال كثيرين غيره، فيكون الحال هو اقتراب الناس من هذا الطفل بدلا من تقويمه، متناسين أن هناك من هم أذكى منه وأكثر منه عبقرية من يحفظون القرآن والمتون في عمر ست أو سبع سنوات فقط.

وفي دراسة في عام 2015 لمجموعة من الباحثين من كليتي ماريست وماساجوستيس الأمريكيتين، أجروا تجارب على مجموعة من الأشخاص تتضمّن هذه التجارب نُطق ثمّ تدوين أكبر عدد ممكن من الكلمات البذيئة خلال دقيقة واحدة، ووجدَت الدراسة أنّ الأشخاص الذين لديهم رصيدٌ وافرٌ من الكلمات البذيئة يملكون معدلات ذكاء أعلى، إضافةً إلى ذلك وَجدت الدراسة أنّ الأشخاص الذين يشتمون، عادةً ما يملكون مخزون أكبر من المفردات اللغوية أكثر من أولئك الذين يمتنعون عن التحدّث باللغة السوقية.

بل ذهبت الدراسة إلى ما هو أقبح حينما اعتبرت أن الشتائم تمنحكَ الراحة وتعد أفضل من الصراخ، والشتائم لها تأثير مطهّر، لهذا السبب العديد من الأشخاص يجدون أنّ الصّراخ والسبّ والشتم وسيلة علاجية.

وفي كتاب «لماذا نشتم؟» يكُشف الطبيب النفسي تيموثي جي أنّ السبب الذي يجعلنا نرى الشخص الذي يتلفظ بالكلمات البذيئة أكثر مرحًا، له علاقة بنظرية تنصّ على أنّ تصرفاتنا يمكن أن تنسب إلى «التحكم العصبي والقيود النفسية والتقييد المجتمعي والثقافي» لذلك تتبيل الأحاديث ببعض الكلمات البذيئة قد يجعلها تبدو أكثر تسلية، ويجعلها مثيرةً أكثر، لأنه ينظر إليها على أنّها كلمات بذيئة لا يجب استخدامها.

ووجدت الإحصائيّة التي أجريت على 1512 متطوّع، أن 40% من النساء و47% من الرجال يفضّلون العمل في أماكن يكونُ فيها التحدث بكلمات بذيئة أمر طبيعي.

أما الاستنتاج الغريب في دراسة جامعة مينيسوتا الأمريكية هو أن الأشخاص الذين تكون غرفة نومهم فوضوية وغير مرتبة هم في الحقيقة أشخاص أذكياء ومبدعين. فعلى ما يبدو أن الأجواء غير المرتبة تساعد على الانفصال من الروتين وتجعل الشخص بالتالي يُنتجُ أفكارا جديدة. بالإضافة غلى ذلك ذكرت الدراسة أن الأشخاص الأذكياء يستخدمون كلمات نابية بشكل كبير ويمتلكون معجما غير محدود من المفردات السيئة.

ماذا يقول الإسلام والفطرة التي فطر الله الناس عليها؟

ما من مؤمن عاقل حصيف إلا ويطمح أن يكون عند الله مرضيًا وعند الناس مقبولاً مألوفاً، وحسن الخلق حالة نفسية تبعث على مخالقة الناس بالمعروف، ومجاملتهم بالبشاشة، وطيب القول، والصبر والحلم ولطف المداراة.

ولا يوجد أي علاقة بين الذكاء وبين سوء الخلق، بل أن حسن الخلق يرتبط أكثر بالذكاء في فن التعامل مع الناس، وكسب قلوبهم بألسنتهم الطيبة.

ولأهمية التحلي بالخلق الحسن وردت آياتٌ وأحاديثُ كثيرة تحث عليه وتأمر به.

 حسن الخلق في القرآن الكريم

فمن نصوص القرآن الكريم تقول الآيات الكريمة المرشدة إلى حسن الخلق والمنكرة للسيئ منه : وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً.

 وقال الله سبحانه وتعالى: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغيِ يعِظكم لعلكم تذكرونَ".

 وقال: " وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً". وقال سبحانه: "وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً".

 وقال عز وجل: "وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِين وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً".

 وقال سبحانه مادحًا النبي صلى الله عليه وسلم : "وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ".

كما جاءت الأحاديث النبوية الشريفة توصي بأحسن الأخلاق، فعن النواس بن سمعان الأنصاري قال: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم؟ فقال: "البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس".

وعن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من شيء أثقل في ميزان العبد المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وإن الله يبغض الفاحش البذيء".

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وخياركم خياركم لنسائهم".

وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: "إنه من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة. وصلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار".

وأوصى النبي صلى اللّه عليه وسلم أبا هريرة بوصية عظيمة فقال: "يا أبا هريرة! عليك بحسن الخلق". قال أبو هريرة رضي اللّه عنه: وما حسن الخلق يا رسول اللّه؟ قال: "تصل مَنْ قطعك، وتعفو عمن ظلمك، وتُعطي من حرمك".

الأسوة الحسنة

ولنا في الرسول صلى اللّه عليه وسلم أسوة حسنة في الْخُلق مع نفسه، ومع أزواجه، ومع جيرانه، ومع ضعفاء المسلمين، ومع جَهَلَتِهم، بل وحتى مع أعدائه وخصومه؛ قال تعالى: وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقوى.

أذى قريش للرسول صلى الله عليه وسلم؛ فقد سامته سوء العذاب، حتى اضطرته إلى مغادرة أهله وبلاده، فلما عاد في فتح مكة ونصره الله عليهم، لم يَشُكُّـوا أنه سيثأر منهم، وينكـّل بهم، فما زاد أن قال: “”ما تقولون أني فاعل بكم”؟ قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم. فقال: “أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء””.

لذا فإن مكارم الأخلاق صفة من صفات الأنبياء والصديقين والصالحين، بها تُنال الدرجات، وتُرفع المقامات. وقد خص اللّه جل وعلا نبيه محمداً – صلى اللّه عليه وسلم – بآية جمعت له محامد الأخلاق ومحاسن الآداب فقال جل وعلا: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ.

هذا هو الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، يشوهه كثير من المسلمين في سلوكهم وسيرتهم وتعاطيهم مع الآخرين، فهم يسيئون للإسلام عن قصد أو عن غير قصد حين يتجاهلون ما أمر به الإسلام على لسان رسول الله والصحابة والتابعين بإحسان، الذين جسدوا بأخلاقهم الإسلام في أروع صوره حين قدموا النموذج الأصلح في السيرة والسلوك فكانوا أحسن الناس خلقًا.

اضافة تعليق