الإمام القرطبي ..رحلة إمام التفسير من الأندلس إلى مصر

الخميس، 28 فبراير 2019 09:18 م
الإمام القرطبي
تفسير القرطبي يعد من أشهر وأعظم تفاسير القرآن الكريم

يعد الإمام القرطبي –رحمه الله- من أشهر أئمة تفسير القرآن الكريم، فهو صاحب (الجامع لأحكام القرآن) الذي يصنف كواحد من أعظم التفاسير، حتى أنه اشتهر باسمه فبما بعد فأصبح يعرف باسم "تفسير القرطبي" .
وأما عن نسبه فهو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فَرْح الأنصاري الخزرجي الأندلسي القرطبي .
ولد في قرطبة أوائل القرن السابع الهجري (ما بين 600 - 610هـ)، وعاش بها، ثم انتقل إلى مصر حيث استقر بِمُنْيَة بني خصيب في شمال أسيوط، ويقال لها اليوم "المنيا"، وبقي فيها حتى تُوفِّي.
نشأة الإمام القرطبي
أقبل القرطبي منذ صغره على العلوم الدينية والعربية إقبال المحبِّ لها، الشغوف بها؛ ففي قرطبة تعلم العربية والشعر إلى جانب تعلمه القرآن الكريم، وتلقى بها ثقافة واسعة في الفقه والنحو والقراءات وغيرها على جماعة من العلماء المشهورين، وكان يعيش آنذاك في كنف أبيه ورعايته، وبقي كذلك حتى وفاة والده سنة 627ه.ـ
وكان إلى جانب تلقيه العلم ينقل الآجُرَّ لصنع الخزف في فترة شبابه، وقد كانت صناعة الخزف والفخَّار من الصناعات التقليدية التي انتشرت في قرطبة آنذاك ، وكانت حياته متواضعة، إذ كان من أسرة متوسطة أو خامِلة - مع علوِّ حَسَبه ونسبه - إلا أنه أنبه شأن أسرته، وأعلى ذِكرها بما قدَّم من آثار ومؤلفات.
وقد عاش الإمام القرطبي مأساة الأندلس، فقد بقي بقرطبة حتى سقوطها، وخرج منها نحو عام 633هـ، فرحل إلى المشرق طلبًا للعلم من مصادره، فانتقل إلى مصر التي كانت محطًّا لكثير من علماء المسلمين على اختلاف أقطارهم، فدرس على أيدي علمائها، واستقرَّ بها .
ملامح شخصيته
كان القرطبي -رحمه الله- من الزهد والورع بمكان، ومن ثَمَّ أثنى عليه المؤرخون لتحلِّيه بهذه الصفات الحميدة؛ قال ابن فرحون: "كان من عباد الله الصالحين، والعلماء العارفين الورعين، الزاهدين في الدنيا، المشغولين بما يعنيهم من أمور الآخرة" .
ونرى في مطالعتنا لكتب القرطبي نَفَس العالِم الصالح الورع الزاهد في كل صفحة من صفحاتها، فهو يشكو دائمًا من كثرة الفساد، وانتشار الحرام، والابتعاد عن الواجبات، والوقوع في المحرمات .
ومن مظاهر ورعه وزهده: تصنيفه كتابي (قمع الحرص بالزهد والقناعة) و(التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة). ومن مظاهره أيضًا: ذَمُّه الغِنَى الذي يجعل صاحبه مزهوًّا به، بعيدًا عن تعهُّد الفقراء، ضعيفًا في التوكل على ربِّ الأرض والسماء .
ولا غرابة في أن يكون القرطبي شجاع القلب، جريئًا في إعلان ما يراه حقًّا؛ لأنه قد اكتسب تلك الأسباب التي تسلحه بهذه الجرأة من علم واسع، وورعٍ مشهود، واستهانة بالدنيا ومظاهرها؛ لهذا كان رحمه الله ممن لا تأخذه في الله لومة لائم، ويتمثل هذا في إيمائه في أكثر من موضع في تفسيره إلى أن الحكام في عصره حادوا عن سواء السبيل، فهم يظلمون ويرتشون، وتسوَّد عندهم أهل الكتاب، ومن ثَمَّ فهم ليسوا أهلاً للطاعة، ولا للتقدير
كما كان رحمه الله -فيما عرف عنه- يُعنى بمظهره دون تكلف وبذخ؛ إذ كان يمشي بثوب واحد مما يدل على رقة حاله، وأنه لم يصب من الغنى ما يجعله يعيش حياة مترفة .
وكان القرطبي -رحمه الله- يلتزم الأصول العلمية، ويتبع أساليب العلماء الفضلاء الذين لا يعنيهم إلا أن يثبتوا الفضل لأهله، ويتورعوا عن أن ينسبوا لأنفسهم ما ليس لهم. وهذه هي الأمانة العلمية التي يعمل علماء العالم الآن على تأصيلها، وتثبيت قيمها، واتخاذ أساليب لتنفيذها؛ ولا يتصور أنها تخرج عما ارتضاه الإمام القرطبي لنفسه حين كتب (تفسيره) حيث قال: "وشرطي في هذا الكتاب إضافة الأقوال إلى قائليها، والأحاديث إلى مصنفيها، فإنه يقال: من بركة العلم أن يضاف إلى قائله" .
وذكر غير واحد من مؤرخي حياة الإمام القرطبي أن أوقاته كانت معمورة بين توجه للعبادة أو التصنيف، وهذا شأن العلماء، وسمة العارفين الفضلاء، ومنشأ هذه الميزة في شخصيته العلمية هي جديته في الحياة، ومضاء عزيمته كما ذكرنا.
كان -رحمه الله- كثير المطالعة، مجدًّا في التحصيل، كثير الحديث عما يشكل، وكان يحب الكتب حبًّا جمًّا، ويحرص على جمعها واقتنائها، حتى لقد تجمَّع لديه منها مجموعات كثيرة منوَّعة؛ ولو أن باحثًا قام بجمع موارده في (تفسيره) فقط، لتجمَّع لديه الشيء الكثير، والعجب العجاب من آثار المشرقيين والمغربيين معًا.
مؤلفات الإمام القرطبي
ذكر المؤرخون للقرطبي -رحمه الله- عدَّة مؤلفات غير تفسيره العظيم (الجامع لأحكام القرآن)؛ ومن هذه المؤلفات:
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، وهو مطبوع متداول .
التذكار في أفضل الأذكار، وهو أيضًا مطبوع متداول .
الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العليا .
الإعلام بما في دين النصارى من المفاسد والأوهام وإظهار محاسن دين الإسلام .
قمع الحرص بالزهد والقناعة وردّ ذُل السؤال بالكسب والصناعة .
وقد أشار القرطبي في تفسيره إلى مؤلفات له، منها: المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس ، واللمع اللؤلؤية في شرح العشرينات النبوية، وغيرها من التصانيف.
والذي يقرأ تفسير القرطبي يجد أنه قد التزم بما شرطَه، فهو يعرِض لأسباب النزول، والغريب من الألفاظ، ويحتكم إلى اللغة كثيراً، ويناقش الفِرق الكلامية كالمعتزلة، والقدريّة، ويناقش الفلاسفة، كما كان ينقل عن كثير ممن تقدمه في التفسير، خصوصاً من ألّف منهم في كتب الأحكام كابن جرير الطبري، وابن عطية، وابن العربي، وأبو بكر الجصّاص.
ومما يتميّز به القرطبي كذلك في تفسيره التحقيق التام للمذهب المالكي حيث يذكر روايات الإمام مالك في المسألة، وقول أئمة المذهب، ومن وافق، ومن خالف، وذلك في كثير من المسائل، ومع ذلك قد يرجح بين هذه الأقوال.. ومثال ذلك "أنه لما ذكر قَدر السفر الذي يترخّص فيه المسافر بالرّخص في آية الصيام قال: "واختلف العلماء في قدر ذلك، فقال مالك: يوم وليلة، ثم رجع فقال: ثمانية وأربعون ميلاً، قال ابن خوَيزمَنْداد: وهو ظاهر مذهبه، وقال مرّة: اثنان وأربعون ميلا، وقال مرة ستة وثلاثون ميلاً، وقال مرة: مسيرة يومٍ وليلة، وروي عنه يومان، وهو قول الشافعي، وفصّل مرة بين البر والبحر، فقال في البحر مسيرة يوم وليلة، وفي البر ثمانية وأربعون ميلا، وفي المذهب ثلاثون ميلاً، وفي غير المذهب ثلاثة أميال".
ولاشك أننا إزاء عالم كانت مقاصده واضحة: التعمق في المذهب والانفتاح على المذاهب الأخرى وإنصافها، وتكثيف المفاهيم العملية في "جامعه" بدل القصص والأخبار والإسرائيليات، وجمع غريب الألفاظ، وتدوين كلام العرب، ورسمه لخريطة الحركة العلمية في عصره... كلها مباحث تغري بالتعمق وتعد باستثمار معرفي على عدة مستويات
أراء العلماء في مؤلفاته
قال الذهبي عن مؤلفاته: "له تصانيف مفيدة، تدل على كثرة اطلاعه ووفور فضله... وقد سارت بتفسيره العظيم الشأن الركبان، وهو كامل في معناه. وله كتاب الأسنى في الأسماء الحسنى، وكتاب (التذكرة)، وأشياء تدل على إمامته وذكائه وكثرة اطلاعه" .
وقال ابن فرحون عن كتابه جامع أحكام القرآن والمبين لما تضمن من السنة وآي القرآن: "وهو من أجلِّ التفاسير وأعظمها نفعًا، أسقط منه القصص والتواريخ، وأثبت عوضها أحكام القرآن واستنباط الأدلة، وذكر القراءات والإعراب، والناسخ والمنسوخ".
وقال ابن فرحون أيضًا: "وكتاب التذكار في أفضل الأذكار وضعه على طريقة التبيان للنووي، لكن هذا أتم منه، وأكثر علمًا" .
وقال ابن فرحون أيضًا عن كتابه (قمع الحرص بالزهد والقناعة وردّ ذل السؤال بالكتب والشفاعة): "لم أقف على تأليفٍ أحسن منه في بابه" . وقال ابن العماد الحنبلي عن مؤلفاته: "حسن التصنيف، جيد النقل" .
هؤلاء تأثروا به
وقد تأثر كثير من المفسرين الذين جاءوا بعد القرطبي بتفسيره، ومنهم الحافظ ابن كثير المتوفى سنة 774ه، وأبو حيان الأندلسي الغرناطي المتوفى سنة 754ه، وذلك في تفسيره "البحر المحيط"، ومحمد بن على الشوكاني المتوفى سنة 1255ه، وقد أفاد من القرطبي كثيراً في تفسيره "فتح القدير".. ولا شك أن تفسير القرطبي يعتبر موسوعة عظيمة حوت كثيراً من العلوم، فهو من أجلّ التفاسير وأنفعها.. أسقط منه القرطبي القصص والتواريخ، وأثبت عوضها أحكام القرآن واستنباط الأدلة، وذكر القراءات والإعراب وعني بذكر أسباب النزول... وكتابه "الجامع لأحكام القرآن" من أوائل الكتب التي نهجت هذا النهج في استخراج الأحكام من القرآن..
وفاة الإمام القرطبي
وفي (مُنْيَة الخصيب) بصعيد مصر، كانت وفاة العالم الجليل الإمام القرطبي ليلة الاثنين التاسع من شهر شوال سنة 671هـ، وقبره بالمنيا شرق النيل .

اضافة تعليق