خطبة الجمعة غدًا.. المعالم الاقتصادية لبناء المسلم

الخميس، 28 فبراير 2019 08:15 م
الجمعة

تماشيا مع ما ينفع المسلمين وخاصة الدعاة نقدم زادًا للدعاة يعينهم على البحث ويفتح لهم الطريق لاستلهام الدروس والحكم من خلال نشر الوعي وإمدادهم بزاد ثقافي حول موضوع خطبة الجمعة كل أسبوع:

إن أساس المنهج الإسلامي في النهضة والتنمية هو الإنسان, فالإنسان عصب أو جوهر هذه العملية, وهو وسيلتها الرئيسة وغايتها في الوقت نفسه، ومن معالم بناء هذا الإنسان من الناحية الاقتصادية ما يلي:
أولًا: وجوب العمل والكسب على كل قادر عليه:
فالإسلام يحث على العمل والكسب, والعمل من سنة الأنبياء, وأن أفضل الكسب ما كان من عمل اليد. قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك : 15] أي: هو الذى جعل لكم الأرض طيِّعة مُيَسرة، فامشوا في جوانبها، وكلوا من رزقه الذي يخرجه لكم منها، وإليه - وحده - البعث للجزاء.([1]), وقال تعالى: { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } (الجمعة: 10) أي: فإذا أديتم الصلاة فتفرقوا فى الأرض لمصالحكم، واطلبوا من فضل الله، واذكروا الله بقلوبكم وألسنتكم كثيرًا، لعلكم تفوزون بخيري الدنيا والآخرة.([2] ) وعَنِ الْمِقْدَامِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ»، وعَنْ أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ قَامَتْ عَلَى أَحَدِكُمُ الْقِيَامَةُ، وَفِي يَدِهِ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا»([3])

والإسلام حرم التبطل, من غير عذر, ولو كان سببه انقطاعًا للعبادة، وحرم التسول والاستجداء لغير عذر مشروع, وفي الحديث عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ)([4] ) المزعة: بالضم قطعة لحم، وفي الحديث بمعنى قطعة يسيرة من اللحم.
ثانيًا: حفظ وتنمية المال:
لقد امتدح الإسلام المال الصالح, وأوجب الحرص عليه وحسن تدبيره وتثميره وأشاد بمنزلة الغني الشاكر الذي يستخدم ماله في نفع الناس ومرضاة الله, وليس في الإسلام هذا المعنى الذي يدفع الناس إلى الفقر والفاقة من فهم الزهد على غير معناه، وما ورد في ذم الدنيا والمال والغنى والثروة إنما يراد به ما يدعو إلى الطغيان والفتنة والإسراف, ويستعان به على المعصية والجور وكفران نعمة الله, وفي الحديث: (نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحِ لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ)([5]), وفي ذلك الإشارة إلى أن الأموال قوام الأعمال, وقد نهى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن إضاعة المال في غير وجهه, فقال: ( وَيَكْرَهُ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ)([6])، كما أن من مات مدافعًا عن ماله فهو شهيد كما جاء في الحديث: (من مات دون ماله فهو شهيد)([7])، وفي رواية أخرى: (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ)([8])، ومن المهم ألا يكون اكتساب المال بوسائل محرمة في الإسلام ، ومن ذلك أخذ المال بغير حق، كالغصب والسرقة والتطفيف والغلول والرشوة، والعقود المحرمة وبخاصة الربا بكل أنواعه، والأعمال المحرمة، كالاحتكار والاتجار بالمحرمات والميسر.

ثالثًا: التحذير من كنز المال وتعطيله:
لقد توعد الله ورسوله مانعي الزكاة أشد الوعيد, فقال تعالى:
{وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ } ( التوبة : 34-35), وفي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم : (مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ، يَعْنِي شِدْقَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ ثُمَّ تَلاَ {لاَ يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ}الآيَةَ)([9]

[9] )،والشجاع الأقرع: الثعبان طويل العمر كثير السم, واللهزمتان: الشدقان.
وبما أن المال وسيلة لا غاية والمقصود من جمعه واكتسابه إنفاقه في الخير واستخدامه فيما ينفع صاحبه ويعود على الناس جميعًا بالفائدة, حرم الله كنزه وتعطيله, وتوعد الذين يكنزونه بهذا الوعيد الشديد.. ولو أخذ الناس بهدي القرآن الكريم في الادخار والإنفاق لما كان جائع ولا عريان ولا مهضوم ولا مظلوم.
مع ضرورة مراعاة قواعد الاستثمار في الإسلام: سواء القواعد الإيمانية, كالنية الحسنة, وتحقيق معنى الاستخلاف, والاستثمار في الحلال لا في الحرام, أو القواعد الأخلاقية, كالصدق والأمانة والوفاء والسماحة وغيرها, أو الاجتماعية كتجنب الاستثمار فيما يضر المجتمع.
رابعًا: الترشيد في الإنفاق:
قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامً} ( الفرقان : 67 )، وقال تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} (الإسراء: 29)
قال الأصفهاني: (والاقتصاد على ضربين, أحدهما: محمود على الإطلاق, وذلك فيما له طرفان: إفراط وتفريط, كالجود فإنه بين الإسراف والبخل ... , والثاني: يكنى به عما يتردد بين المحمود والمذموم ..) وعلى ذلك قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} (فاطر : 32)، وفي الحديث (عَلَيْكُمُ الْقَصْدَ)([10] ), والقصد معناه: التوسط والاعتدال([11] )، فليس المهم في الاقتصاد التركيز على جانب الإنتاج وحده, وإهمال جانب الاستهلاك, فقد يبدد سوء الاستهلاك, وسوء الإنفاق ما حققه الإنتاج, فلذلك الإسلام يدعو إلى زيادة الإنتاج وترشيد الاستهلاك معًا, فيشترط أن يكون الإنفاق في الإسلام على الطيبات, ويكون في اعتدال بدون سرف ولا ترف, قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا}(الفرقان : 67)، وكما أن المسلم مسئول عن ماله من أين اكتسبه؟ هو مسئول أيضًا فيما أنفقه؟ فعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ، عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ، وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ»([12])، وتزداد الحاجة لهذا الترشيد أكثر عند وجود أزمات اقتصادية, ولذلك قام نبي الله يوسف بالدعوة إلى ترشيد الاستهلاك في السنوات السبع الخصبة حتى يكون هناك مجال للادخار للسنوات العجاف, كما جاء في قصة يوسف, وفي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم-: (طَعَامُ الاِثْنَيْنِ كَافِي الثَّلاَثَةِ، وَطَعَامُ الثَّلاَثَةِ كَافِي الأَرْبَعَةِ)([13]).                
خامسًا: حرمة المال العام؛

لأن المال العام حق لكل واحد من أبناء الشعب, فإذا اختلس إنسان فقد تعدى على كل الشعب, وصار الشعب كله خصمه يوم القيامة, ولذلك قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ }(آل عمران :161)، وفي الحديث عَنْ عَدِىِّ بْنِ عَمِيرَةَ الْكِنْدِىِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: «مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ كَانَ غُلُولًا يأتي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَسْوَدُ مِنَ الأَنْصَارِ كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ اقْبَلْ عَنِّى عَمَلَكَ، قَالَ: « وَمَا لَكَ». قَالَ: سَمِعْتُكَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: « وَأَنَا أَقُولُهُ الآنَ مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ فَلْيَجِئْ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ فَمَا أُوتِىَ مِنْهُ أَخَذَ وَمَا نُهِىَ عَنْهُ انْتَهَى».([14] ) وعن أبي حميد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (هَدَايَا الْعُمَّالِ غُلُولٌ)([15]).                                                                                   
وصايا عملية:
تحقيق صحة الجسم وسلامته من الأمراض.
أن يكون الإنسان صادق الكلمة فلا يكذب أبدًا.
أن يكون وفيًّا بالعهد والكلمة والوعد, فلا يخلف مهما كانت الظروف.
إجادة القراءة والكتابة.
الحرص على العمل والكسب الحلال وتجنب وسائل الكسب الحرام.
التأهيل الفني والتقني المميز.
الحرص على الوقت.
تخصيص جزء من الدخل لأعمال البر والخير.
عدم التعامل بالربا في شأن من الشئون.
عدم التورط في الكماليات.                                  
تجنب أو مقاومة العادات الضارة بالاقتصاد كتعاطي المخدرات.
أن يكون حسن التقاضي لحقّه.
وأن يؤدي حقوق الناس كاملة غير منقوصة بدون طلب، ولا يماطل أبدًا.
تشجيع المصنوعات والمنشآت الاقتصادية الإسلامية.
ادخار جزء من الدخل للطوارئ.

اضافة تعليق