مسالك الشيطان.. طرق الغواية بدايتها الحلال.. ونهايتها الكبائر

الأربعاء، 27 فبراير 2019 03:15 م
مسالك الشيطان


يتخذ الشيطان، آلاف المسالك الخبيثة منها والطيبة في نفس الوقت، حتى يزين المعاصي للإنسان، ويُحرش بين الناس، ويُوقع بينهم العداوة والبغضاء لتحقيق أهدافه، وعداوته لبني آدم، وخاصة للمؤمنين منهم.

ولكي يصبح أكثر الناس من المنافقين والعصاة والطغاة والظلمة والفسقة والجبابرة من جنوده وأعوانه، بعد أن أقسم على غواية هذا الإنسان، يقول تعالى: {أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون}: المجادلة: 19.

والله سبحانه وتعالى حذر من مسالك الشيطان، قائلاً: {يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} (الأعراف: 27).

والشيطان يمارس كيده منذ قديم الأزل، وأول ما فتن كان أدم عليه السلام، وسلك طريق فتنته من خلال حواء، فلقد كان بلاءً عظيمًا، دافعه الغيظ والحسد: {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ} (الإسراء: 62)، دافعه الكبر والخيلاء: {إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} (البقرة: 34)، ووسيلته الأيْمان الكاذبة: {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} (الأعراف: 21). والمقاييس الفاسدة: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} (الأعراف: 12).

وحين يعظم سلطان إبليس، يستفز القلوب والعقول والمشاعر في معركة صاخبة، تزمجر فيها الأصوات، ويستجلب فيها  الخيل والرجال للمبارزات: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} (الإسراء: 64).

ومداخل الشيطان تأتي من قبل صفات الإنسان، فلئن كان الشيطان خرج من الجنة بالحسد، فإن آدم خرج منها كما يقول العلماء بالحرص والطمع.

وتترقى خطوات الشيطان التي يستدرج فيها ابن آدم حتى يتَّخذه معبوداً له من دون الله عياذًا بالله: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَلَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} (يس: 60). {يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا} (مريم: 44).

ويقع العبد في ذلك حين يسلم قياده لعدوه، ويفلت الزمام لشهواته، فيتبع كل شيطان مريد {كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} (الحج: 4).

 ومن مسالك الشيطان البدع والأهواء والشبهات، {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (البقرة: 168 - 169)، فهو الأصل في فساد العقائد، وتحريف الشرائع، ويخشى من ذلك على أقوام يخوضون في علوم لا يحسنونها، ويتجرؤون على فتاوى لا يحيطون بها، وقد يجرهم في خطواتهم إلى الإفك والإثم، والتزوير والكذب، وحينئذٍ تتنزل عليهم الشياطين تنزلاً {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} (الشعراء: 221 - 222). وحينئذٍ لا يدعون إلى هدى، ولا يأمرون بتقوى، ولا يدلون على حق.

وجاء في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي قال: "التأني من الله، والعجلة من الشيطان".

ومن أكثر الأسلحة التي يستخدمها الشيطان ضد الإنسان سلاح الفقر، فإذا وقع في قلب الإنسان منع الحق، وتكلم بالهوى، وظن بربه ظن السوء، ويقول الله سبحانه وتعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (البقرة: 268).

كما أن الغضب تمرد شيطاني على عقل العاقل، وحالةٌ من الخروج عن جادة ذوي الرجاحة والأسوياء. رُوي عن بعض الأنبياء أنه قال لإبليس: بم غلبت ابن آدم؟ قال: عند الغضب وعند الهوى. وأغلظ رجل من قريش لعمر بن عبد العزيز القول، فأطرق عمر برهةً، ثم قال: أردت أن يستفزني الشيطان بعز السلطان، فأنال منك اليوم ما تنال مني غدًا.

كما يستغل الشيطان الأماني وحصائد الغرور، فيقول الله تعالى: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} (النساء: 120)، {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم} (إبراهيم: 22). {فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ} (الأنفال: 48).

ويصد الشيطان قرينه عن سبيل الحق، ثم لا يدعه يفيق ولا يستبين، بل يوهمه أنه سائر على الطريق المستقيم، حتى يُفجأ بالمصير الأليم: {إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} (الأعراف: 30).

يقول الله تعالى: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} (الأعراف: 16 - 17).

وقد يندفع الإنسان للتوبة، لكنه سرعان ما يلوذ بربه ويلجأ إلى ذكره، ويتوب إليه من قريب، فيخنس شيطانه {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} (الأعراف: 201).

وذكر الإمام ابن القيم رحمه الله, سبعة مداخل يدخل بها الشيطان على الإنسان ليضله, وليغويه, وهذه المداخل هي كما يلي إن شاء الله

المدخل الأول: الكفر بالله: في هذا المدخل يأتي الشيطان للإنسان الجاهل الذي لا يعلم من دينه إلا قليلا, لو كان يعلم القليل أصلا, ويقول له: لماذا لا يكون غير المسلمين على الحق؟! ليصرفه عن القراءة في دينه إلى الشك فيه.

المدخل الثاني: أن يوقعك في البدعة: إذا فشل الشيطان في محاولته لإيقاعك في الكفر, فإنه يدخل عليك من الباب الثاني, وهو أن يحاول أن يوقعك في البدعة, وهي أن تعبد الله بأسلوب لم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية المطهرة, فتظن أنك تتقرب من الله, في حين أنك تعصيه وتحصد السيئات, بل وقد يتجاوز بك الأمر من وقوعك في البدعة إلى الوقوع في الكفر أو بعض مظاهره والعياذ بالله.

المدخل الثالث: يدفع لكبائر الذنوب، فإذا فشل الشيطان في إيقاعك في البدعة, فإنه يسعى إلى إيقاعك في الكبائر حتى تنكسر حدة إيمانك, فإذا إنكسرت حدة إيمانك أصبح سهلا عليه أن يوقعك فيما شاء من الضلالات.

وعندما سقط سيدنا عبدالله بن حذافة السهمي في أسر قيصر الروم وعرضوا عليه الرغائب والرهائب حتى يجندوه لهم وهو رافض وثابت على الحق , قال كبير القساوسة لقيصر: أدخل عليه إمرأة جميلة في سجنه واجعلهما بمفردهما, فإنه إن زنى بها انكسرت حدة إيمانه فيسهل علينا أخذ ما نريد منه, فلما فعل قيصر بوصية القسيس, ما كان من عبدالله إلا أن أغمض عينيه وأعرض عنها حتى الصباح, فلما فتحوا عليهما الزنزانة, وجدوا المرأة تقول شعرا من عجب ما رأت, فقالت: أأدخلتموني على بشر ؟ أم أدخلتموني على حجر؟ والله منذ دخلت عليه ما رفع في البصر .. وما أظنه يدري أنثى أنا أم ذكر.

المدخل الرابع: أنه يحاول أن يوقعك في صغائر الذنوب: إذا فشل الشيطان في إيقاعك في الكبيرة, فإنه يسعى إلى إيقاعك في الصغائر , حتى إذا تعود قلبك على الصغائر, فإنك تتعامل معها وكأنها ليست معصية من الأساس.

المدخل الخامس: التوسع في المباحات، وهذه من أخطر النقاط , لأن الإنسان يتعامل مع المباح على أنه مباح , في حين أن الشيطان قد يجعلك تضيع الفرائض بفعل المباحات, ومثال ذلك: ما روي على لسان يحيى عليه السلام حين سأل الشيطان فقال له: يا لعين! ماذا أعددت لي لتضلني؟ فقال الشيطان: لا يوجد ما أضلك به إلا أن أجعلك تكثر من الأكل (والأكل مباح) فتكثر من النوم (والنوم مباح) فتنام عن الصلاة المكتوبة (وترك الفرائض كبائر) فقال يحيى عليه السلام: لله علي عهد ألا أشبع من طعام أبدًا. فقال الشيطان: ولله علي عهد ألا أنصح موحدا أبدًا.

المدخل السادس: إذا فشل الشيطان في إيقاعك في التوسع في المباحات فإنه يسعى إلى تقليل أجرك ما استطاع إلى ذلك سبيلاً, فيسمح لك بفعل الطاعات, ولكن يجعلك تهتم بالأقل أفضلية عن الأعلى أفضلية, فتقوم الليل دون أن تصلي الوتر مثلاً, ومن المعلوم أن الوتر سنة مؤكدة بينما القيام سنة, والسنة المؤكدة أجرها أعلى من السنة, أو يجعلك تقوم الليل وتوتر ثم تنام عن صلاة الفجر .

المدخل السابع: هو تسليط الناس: فإذا فشل الشيطان في أن يجعلك تهتم بالأقل أفضلية عن الأعلى أفضلية, فإنه يسعى إلى تسليط الناس عليك, فتسمع هذا يقول عنك غريب الفكر.

اضافة تعليق