موقف عصيب اختبر عفو "عمر " ورحمة "أبي ذر " فكيف تعاملا معه ؟

الثلاثاء، 26 فبراير 2019 06:29 م
الفاروق

مواقف عصيبة مر بها سيدنا عمر بن الخطاب خلال اعتلائه سدة الخلافة الإسلامية لأكثر من 12عاما ،احتار أمير المؤمنين في الوصول لحلول سريعة لها لفترة ليست بالقصيرة قبل أن يأتي الفضل من الله ليسدل الستار عليها .

أمير المؤمنين رغم حزمه فيما يتعلق بحدود الله الإ أنه لم يغفل أبدا عن فضيلة "العفو" إذا كان ذلك ممكنا بل أنه كثيرا ما كان يتعامل بروح الشريعة قبل نصها سابقا عصره وعصورا لاحقة بعشرات القرون.

الموقف العصيب بدأت فصوله، عندما أتى شابّان إلى ابن الخطاب رضي الله عنه  وكان في مجلس وهما يقودان رجلاً من البادية فأوقفوه أمامه.

وهنا تساءل عمر: ما هذا ؟قالوا : يا أمير المؤمنين ، هذا قتل أبانا فقال عمر موجها حديثه للمتهم بالقتل : أقتلت أباهم ؟قال: نعم قتلته .. وردد عليه التساؤل : كيف قتلتَه ؟

رد المتهم بقتل والد الشابين لم يتأخر : دخل بجمله في أرضي ، فزجرته ، فلم ينزجر، فأرسلت عليه حجراً ، وقع على رأسه فمات.

الفاروق عمر لم يجد حلا لهذه الأزمة الإ بالقول : القصاص ..القصاص .. الأمر واضح والحكم سديد لا يحتاج مناقشة مادام القاتل قد تجاوز حدود الله وأزهق روحا متعمدا أيا كانت مكانة القاتل شريفا كان أم وضيعا .

عمر – رضي الله عنه – لايحابي أحداً في دين الله ، ولا يجامل أحدا على حساب شرع الله ،ولو كان ابنه القاتل ، لاقتص منه .

المتهم بالقتل ضاقت الدوائر به فليس أمامه خيارالإ مناشدة أمير المؤمنين تأجيل تنفيذ القصاص قائلا : : يا أميرالمؤمنين : أسألك بالذي قامت به السماوات والأرض أن تتركني ليلة : ، لأذهب إلى زوجتي وأطفالي فيالبادية ، فأُخبِرُهم بأنك سوف تقتلني .

ومضي قائلا : سأذهب إليهم ثم أعود إليك ،والله ليس لهم عائل إلا الله ثم أنا فرد عليه عمر من يكفلك أن تذهب إلى البادية ، ثم تعود إليَّ؟فسكت الناس جميعا ، إنهم لا يعرفون اسمه ، ولا خيمته ، ولا داره ولا قبيلته ولا منزله ، فكيف يكفلونه؟

مصدر الصعوبة هنا أن الكفالة ليست على عشرة دنانير، ولا على أرض ،ولا على ناقة ، إنها كفالة على الرقبة أن تُقطع بالسيف وبل ليس هناك من يتدخل في تنفيذ عمر لحدود الله .. ومن يشفع عنده ؟ ومن يمكن أن يُفكر في وساطة لديه ؟ ومن يعترض على عمر في تطبيق شرع الله .

الصحابة من جانبهم لزموا الصمت بشكل زاد حيرة أمير المؤمنين هل يُقدم فيقتل هذا الرجل ، وأطفاله يموتون جوعاً هناك أو يتركه فيذهب بلا كفالة ، فيضيع دم المقتول ،وسط صمت مطبق يلف المكان .

إزاء هذه الحالة أخذ الخليفة الراشد الثاني يفكر في حل لهذه الأزمة فلم يكن أمامه ، إلي أن يحث وليي دم القتيل علي العفو ولكنهما رفضا فقال عمر : من يكفل هذا أيها الناس ؟!!فقام أبو ذر الغفاريّ بشيبته وزهده ، وصدقه ،وقال:أنا أكفله.

فرد عمر : هو قَتْل ، فقال أبو ذر : ولو كان قاتلا! وأردف عمر متسائلا هل تعرفه فقال الغفاري : لا فعاد الخليفة للتساؤل مجددا فكيف تكفله؟ وكان الرد جاهزا: رأيت فيه سِمات المؤمنين ،فعلمت أنه لا يكذب ، وسيأتي إن شاء الله.

إصرار أبي ذر علي كفالة القاتل جعل عمر يحذره يا أبا ذرّ ، أتظن أنه لو تأخر بعد ثلاث أني تاركك! فقال: الله المستعان يا أمير المؤمنين

الرجل القاتل ذهب ، وأعطاه عمر ثلاث ليال ٍ، يُهيئ فيها نفسه، ويُودع أطفاله وأهله ، وينظر في أمره ، ثم يأتي ، ليقتص منه لأنه قتل .

الأيام الثلاثة مرت متثاقلة وبعدها  لم ينس عمر الموعد ، وفي العصر نادى في المدينة :الصلاة جامعة ، فجاء الشابان ،واجتمع الناس ، وأتى أبو ذر وجلس أمام عمر ، فقال عمر: أين الرجل ؟قال : ما أدري يا أمير المؤمنين!

أبو ذر من جانبه أخذ يتلفت إلى الشمس ،وكأنها تمر سريعة على غير عادتها ، وسكت الصحابة واجمين ، عليهم من التأثر ما لا يعلمه إلا الله.صحيح أن أبا ذرّ يسكن في قلب عمر، وأنه يقطع له من جسمه إذا أراد لكن هذه شريعة ، لكن هذا منهج ،لكن هذه أحكام ربانية .

الغرب أوشك ولكن المفاجاة حدثت وإذا بالرجل يأتي ، فكبّر عمر ،وكبّر المسلمون معه فقال عمر : أيها الرجل أما إنك لو بقيت في باديتك ، ما شعرنا بك وما عرفنا مكانك !!

فقال الرجل مخاطبا أمير المؤمنين : يا أمير المؤمنين ، والله ما عليَّ منك ولكن عليَّ من الذي يعلم السرَّ وأخفى !!أنا يا أمير المؤمنين ، تركت أطفالي كفراخ الطير  لا ماء ولا شجر في البادية ، وجئتُ لأُقتل.. وخشيت أن يقال لقد ذهب الوفاء بالعهد من الناس.

هنا اقترب عمر بن الخطاب من أبي ذر بادره بالتساؤل لماذا ضمنته؟؟؟ فقال أبو ذر :  خشيت أن يقال لقد ذهب الخير من الناس فوقف عمر وقال للشابين : ماذا تريان؟قالا وهما يبكيان : عفونا عنه يا أمير المؤمنين لصدقه.

الشابان اكملا النهاية السعيدة قائلين :. نخشى أن يقال لقد ذهب العفو من الناس ! قال عمر : الله أكبر ، ودموعه تسيل على لحيته …..جزاكما الله خيراً  أيها الشابان على عفوكما ، وجزاك الله خيراً يا أبا ذرّيوم فرّجت عن هذا الرجل كربته.
أمير المؤمنين استمر في شكر الجميع ، وجزاك الله خيراً  أيها الرجل لصدقك ووفائك … والمسلمون يقولون جزاك الله خيراً يا أمير لعدلك و رحمتك .

اضافة تعليق