أصحاب القرية .. جاءتهم ثلاثة رسل وأصروا على الكفر وهذه كانت نهايتهم

الإثنين، 25 فبراير 2019 07:28 م
أصحاب القرية

في سورة "يس" – قلب القرآن الكريم - جاء ذكر قصتهم كمثال على عناد بعض الأقوام السابقة وإصرارهم على الكفر، وعدم تصديق رسل الله، بل واتهامهم مرة بالكذب وتارة بالسحر وتارة أخرى بالجنون، أو يبدون التطير والتشاؤم تجاه دعوة الرسل.
قال عز وجل:" وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ . إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ . قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ . قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ . وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ . قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ . قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ ) يس : 13 – 19 ).
وتأتي هذه القصة لتجسد حالة غريبة في غابر الزمان ،  إنها قصة أصحاب القرية، حيث يخبرنا الله عز وجل أنه أرسل رسولين من رسله– عليهما السلام – لأهل قرية كافرة ، فواجهوا الرسالة بالتكذيب والتعنت والعتو ، فعزز الله الرسولين بثالث لتقوية موقفهما وشوكتهما في مواجهة عناد العصاة ، لكن موقف أهل القرية لم يتزحزح عن الجحود والفسق ، و زعموا أن لا مزية لهؤلاء الرسل عليهم ، موجبة لاختصاصهم بالنبوة والدعوة ، فهم لا يعدون أن يكونوا بشرا .!
وعندما ضاقت بأهل القرية الكفرة الحيل وأعيتهم العلل ، ادعوا تشاؤمهم بأنبياء الله المرسلين – عليهم السلام – جريا على عادة الجهلة والسفهاء والمفلسين من كل حجة وبرهان ، الخارجين عن كل منطق و عقل ، فنفروا من دعوة الله وأداروا ظهورهم لها ، بل وهددوا أنبياء الله بالقتل والعذاب الأليم !
لكن رسل الله المكرمين – وكعادة رسل الله – ردوا بكل حكمة و تعقل قائلين : إن سبب شؤمكم معكم ومنكم لا من قبلنا ( داخلي لا خارجي ) – هكذا هو التطير أو التشاؤم داخلي ولا حقيقة له  – ، فمصدره سوء عقيدتكم وقبح أعمالكم وتوجهكم ، هذا ردهم على شبهة التشاؤم ، أما موقفهم من التهديد والوعيد الذي وجه إليهم فقد كان بقولهم ( بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ ) والمعنى : أنكم قوم عادتكم الإسراف في الظلم والعدوان والبغي والجهالة ، ولذلك تتوعدون مخالفكم وتهددون كريمكم .
وذلك ذكاء منهم وحكمة عميقة في الرد ، حيث أعرضوا عن الرد المباشر ، واكتفوا بذكر علة التهديد والدافع من ورائه ، فهو بمثابة قاعدة منطبقة عبر الزمان والمكان .
وذكر ابن جريج عن وهب بن سليمان عن شعيب الجبائي أن اسم الرّسولين الأولين كان شمعون ويوحنا، واسم الثّالث بولس، وأن القرية هي أنطاكية.
وأنطاكية من أقدم مدن الشّام، بنيت بحدود ثلاثمائة سنة قبل الميلاد، ويقال بأنّ السيّد المسيح عليه السلام أرسل رسله إليها لنشر تعاليمه فيها، وإن كان الراجح في أقوال العلماء أن قصة أصحاب القرية وقعت قبل مجىء المسيح عليه السلام وأن هؤلاء الرسل كانوا مرسلين من الله عز وجل وليسوا رسل سيدنا عيسى إلى أهل انطاكية.
ويحدّثنا الله تعالى في هذه الواقعة التاريخيّة، عن الإيمان القويّ لهؤلاء الرّسل، وعزيمتهم الصّلبة في مواجهة تحدّيات المشركين، وفي دعوتهم لعبادة الواحد الأحد، وتوحيده والإخلاص له، ولقد تحمّلوا الكثير من المشاقّ والعذابات، وصبروا على الأذى في سبيل خدمة الرّسالة وفدائها بالموقف والسّلوك العمليّ الّذي يصدم الواقع المتحجّر نتيجة سيطرة العقلية الوثنيّة في تلك النواحي.
بينما أخذ بعض أهالي القرية، يتساءلون حول هذه الدعوة، ومن الله الإله الواحد، وماذا عن الآلهة التي يعبدونها وآبائهم، وأثيرت ضجة كبيرة حول دعوة الرسل، وسمع بهذا الحديث، رجل في منطقة بعيدة عن القرية، فأدخل الله الإيمان إلى قلبه، وآمن بالله وبرسالة الرسل الثلاثة.

وكان هذا  الرجل نجاراً يسمى حبيب النجار، كان يعمل في مدينة أنطاكيا، فالتقى بالأنبياء الثلاثة، فسألهم: من أنتم، فقالوا أنبياء، ودار بينهم حوار، فأسلم لهم، وتفقه على أيديهم، فأصبح داعية من الطراز الأعظم الفريد، ولكنه وجد أهل أنطاكية يكذبون هؤلاء الرسل، فجاء حبيب النجار (مؤمن آل يس)، يدعو قومه إلى الإيمان وتصديق الرسل، ويصف القرآن ذلك فيقول: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ( 20 ) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ ( 21 ) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 22 ) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ ( 23 ) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ( 24 ) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ( 25 )} .

فحدثهم حبيب النجار عن أسباب إيمانه، وناشد فيهم الفطرة السليمة التي استيقظت فيه فقال: "ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون؟ أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون؟ إني إذاً لفي ضلال مبين".
وأعلن إيمانه أمام أهل القرية جميعًا، مطالبًا إياهم بالإيمان بالله أيضًا، وتصديق رسله، الذين لا يريدون أجرًا ولا مالًا، وإنما فقط يبلغون رسالة الله، ولكن ما كان من أهل القرية إلا أن قتلوه، وهناك روايتان حول مقتله، فالأولى أنهم انهالوا عليه ضربًا حتى الموت، والأخرى أنهم حفروا له حفرة، وأخذوا يرجمونه بالحجارة، بينما كان الرجل بين أيديهم في أي من الوضعين، كان
رافعًا يديه، يدعو الله أن يهديهم لطريقه، حتى مات.
وأراد الله أن ينتقم لرسله و للرجل الصالح، فوجد أنهم لا يستحقون حتى أن يرسل عليهم ملائكة من السماء تطيح بقريتهم، بينما أمر جبريل أن يصيح بهم صيحة واحدة فقط، فخلعت قلوبهم، وماتوا جميعًا.

اضافة تعليق