«الحجاج بن يوسف».. أرعب الناس بفصاحته قبل "السيف"

الأحد، 24 فبراير 2019 03:07 م
«الحجاج بن يوسف».. أرعب الناس بفصاحته قبل السيف

اشتهر عن الحجاج القتل والتنكيل والقسوة، لكن كان مع ذلك يحب أهل الأدب ويقربهم، ويجزل لهم العطاء.

وقد كان الحجاج بن يوسف مع عتوه وإسرافه جوادًا، وكان إذا ضحك واستغرق في الضحك أتبع ذلك الاستغفار مرات، وكان يطعم على ألف مائدة، وكان يطوف على الموائد ويقول: يا أهل الشام مزقوا الخبز لئلا يعود إليكم ثانيًا، وكان يجلس على كل مائدة عشرة رجال، وذلك في كل يوم وكان يقول: أرى الناس يتخلفون عن طعامي، فقيل له: إنهم يكرهون الحضور قبل أن يدعوا، فقال: قد جعلت رسولي إليهم كل يوم الشمس إذا طلعت وعند المساء إذا غربت.

ولما بلغ أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، اضطراب أهل العراق جمع أهل بيته وأولي النجدة من جنده، وقال: أيها الناس، إن العراق كدر ماؤها، وكثر غوغاؤها، وملح عذبها، وعظم خطبها، وظهر ضرامها، وعسر إخماد نيرانها فهل من ممهد لهم بسيف قاطع، وذهن جامع، وقلب ذكي، وأنف حمي، فيخمد نيرانها، ويردع غيلانها، وينصف مظلومها، ويداوي الجرح حتى يندمل فتصفو البلاد، وتأمن العباد، فسكت القوم، ولم يتكلم أحد.

فقام الحجاج وقال: يا أمير المؤمنين أنا للعراق. قال: ومن أنت لله أبوك؟ قال: أنا الليث الضمضام، والهزبر الهشام، أنا الحجاج بن يوسف.

 قال: ومن أين؟ قال: من ثقيف كهوف الضيوف ومستعمل السيوف. قال: أجلس لا أم لك، فلست هناك.

ثم قال: ما لي أرى الرؤوس مطرقة والألسن معتقلة، فلم يجبه أحد، فقام إليه الحجاج وقال: أنا مجندل الفساق، ومطفىء نار النفاق، قال: ومن أنت؟ قال: أنا قاصم الظلمة، ومعدن الحكمة الحجاج بن يوسف معدن العفو والعقوبة، آفة الكفر والريبة، قال إليك عني، وذاك، فلست هناك.

 

ثم قال عبد الملك أيضًا: من للعراق؟ فسكت القوم، وقام الحجاج وقال: أنا  للعراق، فقال: إذن أظنك صاحبها والظافر بغنائمها وإن لكل شيء يا ابن يوسف آية وعلامة.

 فما آيتك وما علامتك؟ قال: العقوبة والعفو، والاقتدار والبسط، ، والإبعاد والجفاء، والبر والتأهب، والحزم وخوض غمرات الحروب بجنان غير هيوب، فمن جادلني قطعته، ومن نازعني قصمته، ومن خالفني نزعته، ومن دنا مني أكرمته، ومن طلب الأمان أعطيته، ومن سارع إلى الطاعة بجلته، فهذه آيتي وعلامتي، وما عليك يا أمير المؤمنين أن تبلوني، فإن كنت للأعناق قطاعا، وللأموال جماعا، وللأرواح نزّاعا، ولك في الأشياء نفّاعا، وإلا فليستبدل بي أمير المؤمنين، فإن الناس كثير، ولكن من يقوم بهذا الأمر قليل.

فقال عبد الملك: أنت لها، فما الذي تحتاج إليه؟ قال: قليل من الجند والمال، فدعا عبد الملك صاحب جنده فقال: هيىء له من الجند شهوته وألزمهم طاعته، وحذرهم مخالفته، ثم دعا الخازن، فأمره بمثل ذلك، فخرج الحجاج قاصدا نحو العراق.

يقول عبد الملك بن عمير: فبينما نحن في المسجد الجامع بالكوفة إذا أتانا آت فقال: هذا الحجاج قدم أميرا على العراق، فتطاولت الأعناق نحوه وأفرجوا له عن صحن المسجد، فإذا نحن به يمشي وعليه عمامة حمراء متلثما بها، ثم صعد المنبر، فلم يتكلم كلمة واحدة، ولا نطق بحرف حتى غص المسجد بأهله، وأهل الكوفة يومئذ ذوو حالة حسنة وهيئة جميلة، فكان الواحد منهم يدخل المسجد ومعه العشرون والثلاثون من أهل بيته ومواليه وأتباعه عليهم الخز والديباج.

 قال: وكان في المسجد يومئذ "عمير بن صابىء التميمي"، فلما رأى الحجاج على المنبر قال لصاحب له: أحصبه لكم؟

قال: اكفف حتى نسمع ما يقول، فأبى ابن صابىء وقال: لعن الله بني أمية حيث يولون ويستعملون مثل هذا على العراق، وضيع الله العراق حيث يكون هذا أميرها، فوالله لو دام هذا أميرا كما هو ما كان بشيء، والحجاج ساكت ينظر يمينا وشمالا، فلما رأى المسجد قد امتلأ بأهله قال: هل اجتمعتم؟ فلم يرد عليه أحد شيئا، فقال: إني لا أعرف قدر اجتماعكم، فهل اجتمعتم؟
فقال رجل من القوم: قد اجتمعنا أصلح الله الأمير، فكشف عن لثامه، ونهض قائما فكان أول شيء نطق به أن قال: والله إني لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها، وإني لأرى الدماء ترقرق بين العمائم واللحى، والله يا أهل العراق إن أمير المؤمنين نثر كنانة بين يديه فعجم عيدانها، فوجدني أمرها عودا، وأصلبها مكسرا، فرماكم بي لأنكم طالما أثرتم الفتنة، واضطجعتم في مراقد الضلال، والله لأنكلن بكم في البلاد، ولأجعلنكم مثلا في كل واد، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل، وإني يا أهل العراق لا أعد إلا وفيت، ولا أعزم إلا أمضيت.

وقال أيضا: يا أهل العراق: إنما أنتم أهل قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان، فكفرت بأنعم الله، فأتاها وعيد القرى من ربها، فاستوثقوا واستقيموا، واعملوا، ولا تميلوا، وتابعوا، وبايعوا، واجتمعوا، واستمعوا، فليس مني الإهدار والإكثار إنما هو هذا السيف.

وتابع في خطبته: ثم إني وجدت الصدق مع البر ووجدت البر في الجنة، ووجدت الكذب مع الفجور، ووجدت الفجور في النار، وقد وجهني أمير المؤمنين إليكم، وأمرني أن أنفق فيكم وأوجهكم لمحاربة عدوكم مع المهلب بن أبي صفرة، وإني أقسم بالله لا أجد رجلا يتخلف بعد أخذ عطائه بثلاثة أيام إلا ضربت عنقه.

 ثم نزل بعدما فرغ من خطبته وقراءته، ووضع للناس عطاياهم، فجعلوا يأخذونها حتى أتاه شيخ كبير، فقال: أيها الأمير إني على الضعف كما ترى، ولي ابن هو أقوى مني على الأسفار، أفتقبله بديلا مني؟ فقال: نقبله أيها الشيخ، فلما ولى قال له قائل: أتدري من هذا أيها الأمير؟ قال: لا.

قال: هذا ابن صابىء الذي شارك في الخروج والعصيان على الخليفة "عثمان بن عفان".

وكان هذا الشيخ قد دخل على عثمان رضي الله عنه وهو مقتول، فوطىء في بطنه، فكسر ضلعين من أضلاعه، فقال الحجاج: ردوه فلما ردوه قال له الحجاج: أنت الفاعل بأمير المؤمنين عثمان ما فعلت يوم قتل في الدار؟

إن أرى في قتلك أيها الشيخ إصلاحا للمسلمين. يا سياف اضرب عنقه، فضرب عنقه، وكان من أمره بعد ذلك ما عرف وسطر في أمر العراق وبلاد الحرمين وقتل الصحابي " عبد الله بن الزبير".

اضافة تعليق