"إبراهيم بن أدهم".. سليل الملوك الذي انقطع للزهد.. لن تتخيل نهايته

الأحد، 24 فبراير 2019 11:06 ص
«إبراهيم بن أدهم»..من أولاد الملوك..انقطع للزهد..لن تتخيل نهايته


كان إبراهيم بن أدهم من سلالة الملوك، لكنه ترك ذلك كله وانقطع للزهد والعبادة بالكوفة وبلاد الشام، على الرغم أنه كان من أصله من بلخ.

وذُكر أنه كان من الأشراف، وكان أبوه كثير المال والخدم، فخرج إبراهيم يومًا إلى الصيد مع الغلمان والخدم والإبل وصقور الصيد فبينما هو على فرسه يركضه، إذا هو بصوت من فوقه: يا إبراهيم، ما هذا العبث "أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا ترجعون"..اتق الله، وعليك بالزاد ليوم الفاقة، قال: فنزل عن دابته ورفض الدنيا وأخذ في عمل الآخرة.

وقال من رآه: كنت إذا رأيت إبراهيم بن أدهم كأنه ليس فيه روح لو نفخته الريح لوقع، قد اسود متدرعًا بعباءة.

ومر به رجال من سادات الناس وهو ينظر بستان عنب، فقال: ناولني من هذا العنب، فقال: ما أذن لي صاحبه، فضربه بالسوط، وجعل إبراهيم بن أدهم يقنع رأسه، وقال: اضرب رأسًا طالما عصى الله، قال: فأعجز الرجل عنه.

وروى عنه من عاصره، قائلاً: كنا جلوسًا بالمصيصة وفينا إبراهيم بن أدهم، فقدم رجل من خراسان فقال: أيكم إبراهيم بن أدهم؟، فقال القوم: هذا، قال: إن إخوتك بعثوني إليك، فلما سمع بذكر إخوته قام فأخذ بيده فنحاه، فقال: ما جاء بك؟ فقال: أنا مملوك معي فرس وبغلة وعشرة آلاف درهم، بعث بها إليك إخوتك، قال: إن كنت صادقًا فأنت حر، وما معك لك، اذهب فلا تخبر أحدًا، فذهب.

وحدّث العارف أبو سليمان الداراني قال: صلى إبراهيم بن أدهم خمس عشرة صلاة بوضوء واحد.

ودخل إبراهيم بن ادهم، مكة وصحب الثوري والفضيل بن عياض ودخل الشام ومات بها، وكان لا يأكل إلا من عمل يديه مثل الحصاد وعمل الفاعل وحفظ البساتين وغير ذلك.

وكان يقول: أطب مطعمك ولا عليك أن لا تقوم الليل ولا تصوم النهار، وكان أكثر دعائه: "اللهم انقلني من ذل معصيتك إلى عز طاعتك".

وقيل له إن اللحم قد غلا، فقال: أرخصوه أي لا تشتروه فإنه يرخص.

وقال سفيان الثوري: كان إبراهيم بن أدهم يشبه الخليل، ولو كان في الصحابة كان رجلاً فاضلاً له سرائر وما رأيته يظهر تسبيحًا ولا شيئًا ولا أكل مع أحد طعامًا إلا كان آخر من يرفع يديه.

وقال عبد الله بن المبارك: كان إبراهيم رجلاً فاضلاً له سرائر ومعاملات بينه وبين الله عز وجل، وما رأيته يظهر تسبيحًا ولا شيئًا من عمله، ولا أكل مع أحد طعامًا إلا كان آخر من يرفع يده.

وقال بشر بن الحارث الحافي: أربعة رفعهم الله بطيب المطعم، إبراهيم بن أدهم، وسليمان بن الخواص ووهيب بن الورد، ويوسف بن أسباط.

وقيل له: لم تركت الحديث؟ فقال: إني مشغول عنه بثلاث، بالشكر على النعم، وبالاستغفار من الذنوب، وبالاستعداد للموت، ثم صاح وغشي عليه فسمعوا هاتفا يقول: لا تدخلوا بيني وبين أوليائي.

وقال أبو حنيفة يومًا لإبراهيم بن أدهم: قد رزقت من العبادة شيئًا صالحًا فليكن العلم من بالك فإنه رأس العبادة وقوام الدين.

فقال له إبراهيم: وأنت فليكن العبادة والعمل بالعلم من بالك وإلا هلكت.

وقال إبراهيم: ماذا أنعم الله على الفقراء لا يسألهم يوم القيامة عن زكاة ولا عن حج ولا عن جهاد ولا عن صلة رحم، إنما يسأل ويحاسب هؤلاء المساكين "الأغنياء".

وذكروا أنه كان يعمل بالفاعل، ثم يذهب فيشتري البيض والزبدة وتارة اللحم المشوي، فيطعمه أصحابه وهو صائم، فإذا أفطر يأكل من رديء الطعام، ويحرم نفسه المطعم الطيب ليبر به الناس تأليفًا لهم وتحببًا وتوددًا إليهم.

وذكروا أنه حصد مرة بعشرين دينارًا، فجلس مرة عند حجام وهو وصاحب له ليحلق رؤوسهم ويحجمهم، فكأنه تبرم بهم واشتغل عنهم بغيرهم، فتأذى صاحبه من ذلك ثم أقبل عليهم الحجام، فقال: ماذا تريدون؟ قال إبراهيم: أريد أن تحلق رأسي وتحجمني، ففعل ذلك فأعطاه إبراهيم العشرين دينارًا، وقال: أردت أن لا تحقر بعدها فقيرًا أبدًا.

ورأى رجلاً قيل له: هذا قاتل خالك، فذهب إليه فسلم عليه وأهدى له وقال: بلغني أن الرجل لا يبلغ درجة اليقين حتى يأمنه عدوه.

ومن جميل كلامه:

"أثقل الأعمال في الميزان أثقلها على الأبدان، ومن وفى العمل وفي له الأجر، ومن لم يعمل رحل من الدنيا إلى الآخرة بلا قليل ولا كثير".

وقال: "كل سلطان لا يكون عادلا فهو واللص بمنزلة واحدة، وكل عالم لا يكون ورعا فهو والذئب بمنزلة واحدة، وكل من خدم سوى الله فهو والكلب بمنزلة واحدة".

وقال: "ما ينبغي لمن ذل الله في طاعته أن يذل لغير الله في مجاعته، فكيف بمن هو يتقلب في نعم الله وكفايته"؟

وقال: "كنا إذا رأينا الشاب يتكلم في المجلس أيسنا من خيره".

وقال: "جانبوا الناس ولا تنقطعوا عن جمعة ولا جماعة".

وذكروا أنه توفي في جزيرة من جزائر بحر الروم وهو مرابط في سبيل الله، وأنه ذهب إلى الخلاء ليلة مات نحوًا من عشرين مرة، وفي كل مرة يجدد الوضوء بعد هذا، وكان به  مرض البطن، فلما كانت غشية الموت قال: أوتروا لي قوسي، فأوتروه فقبض عليه فمات وهو قابض عليه يريد الرمي به إلى العدو رحمه الله وأكرم مثواه، توفي سنة ثنتين وستين ومائة من الهجرة.

اضافة تعليق