اشتهر بالعدل.. موقف في طفولة "شريح بن الحارث"غير حياته

السبت، 23 فبراير 2019 10:48 ص
موقف في طفولته غير حياته


اشتهر الصحابي شريح القاضي (قبل الهجرة - 78 هـ / 590-698م) بالعدل في القضاء، وكان شريح محدثًا فقيهًا، وظل قاضيًا على الكوفة لستين سنة، حتى أطلق عليه الإمام علي بن أبي طالب "قاضي العرب".

اصطحبه أبوه في سفر وهو ابن خمس سنوات، وفي طريقهم مع القافلة، رفض الأطفال المرافقين لهم اللعب معه. فأعرض عنهم ليلعب وحيداً، فرآه أبوه بعيداً عن القافلة فخاف أن يختطفه قطّاع الطريق، فنهره، فسمعها الغلمان المرافقين له فضحكوا عليه ثمّ قالوا له «لنلعب معك، قف حيثما كنت، وسنختبئ ثمّ نأتيك»، ثمّ ذهبوا إلى أبيه يخبرونه أنّه عصاه.

فضربه أبوه، ولم يقدر على أن يدافع عن نفسه، يقسم لأبيه أنّه مظلوم ولا يجد الدليل الثّابت فيستمرّ في ضربه. فأثّر فيه أنّ المظلوم يحتاج إلى الإنصاف عندما لا يجد شاهداً ولا دليلاً، وتأثّر فيما بعد بقوله تعالى ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾[2:113].[1]

إسلامه

دخل في الإسلام في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل لم يحظ بالصحبة، وقيل حظي بها حيث كان باليمن فيعد من التابعين وأنتقل من اليمن زمن الصديق وحدث عن كبار الصحابة.

في الثلاثين من عمره، بعث النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب إلى أهل اليمن فأسلموا، فسأله شريح: بماذا يأمر دينك؟ فأجابه بقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [16:90] فبرقت عينا شريحٍ. فسأله: بماذا يدعو دينك أيضًا؟ فأجابه وقد أحسّ بتأثّره بمقولة العدل - بقوله تعالى ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [4:58].

فسأل ثالثةً إلام يدعو دينك أيضًا؟ فأجابه بقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [5:8]. فسأله وماذا يقول نبيّك؟ فأجابه «سبعة يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه أوّلهم إمام عادل».

فاستبشر شريحٌ قائلاً «دين يدعو للعدل» ودخل في الإسلام. فطلب من عليّ أن يعلمّه سورة من القرآن، فاختار له عليّ - وكان قد سمع قصّته وما حدث بأمّه - سورة النّساء، التي تتحدّث عن العدل مع ضعفاء القوم.

وكان إسلامه قبل وفاة النبي بخمسة سنوات، لكن كلّما عزم أن يزوره انشغل، حتّى فاتت الخمسة سنوات فبدأ الرحلة، فجائه خبر وفاة رسول الله، وقد فاتته رؤيته. فقرّر أن يجمع آيات القرآن المتعلّقة بالعدل.

أخذ «شريح» علمه من الصحابى معاذ بن جبل، حينما أرسله النبى قاضيا إلى اليمن، وبرع فى القضاء فى سن مبكرة، إلى درجة أنه قضى بين الناس ولم تكتمل لحيته بعد، ولما أرسله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قاضيا إلى العراق جالس عبد الله بن مسعود، فتعلم منه ثم لازم أمير المؤمنين على بن أبى طالب، واشتهر بالقضاء حتى صار مثلاً على الألسنة فى ذكائه حيث قيل عنه «إن شريحًا أدهى من الثعلب».


حرص على تطبيق العدل حيث كتب فوق مجلسه عبارة «إن الظالم وإن حكمت له ينتظر العقاب، وإن المظلوم وإن حكمت عليه ينتظر الإنصاف»، ودون تحت ذلك الحديث النبوى القائل: إنكم تختصمون إلى وإّما أنا بشر فأيما رجل اقتطعت له حق من أخيه لا يستحقه فإنما اقتطعت له قطعة من النار سيطوق بها يوم القيامة، وظل يطبقه لـ60 عاما خلال توليه قضاء الكوفة.

اشتهر القاضى«شريح» أنه كان يمتنع عن التعامل مع الذين يقضى بينهم طوال فترة الحكم، وفى ذات مرة كان يقيم رجل فى بيته ضيفًا، فأراد أن يرفع إليه قضية، فقال له أترك القضية أو اترك بيتى ومن أشهر أقواله:«عدل يوم أفضل من عبادة ستين سنة».

وعند وفاة «أقضى العرب» كان يبكى فسئل لماذا، فأجاب: فى مرة لم أساو بين متخاصمين، فسألوه كيف، فرد قائلا: قال مال قلبى لأحدهما.

أكثر المواقف التى تدل على تطبيقه العدل حتى على أهل بيته حينما كفل نجله طرفًا فى قضية، فأخذ ذلك الرجل المال وهرب به، فأصدر شريح حكما بحبس نجله ثلاثين يوما وكان يقول له حينما كان يزوره "تذكر حديث النبى الذى قال فيه لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها".

من بين المواقف التى تدل على عدله، حينما تنازع على بن أبى طالب أثناء توليه منصب أمير المؤمنين مع يهودى على درع، فاحتكما إلى "شريح" وكان وقتها القاضى وأراد "علي"أن يشهد ابنه الحسن رضى الله عنه أن الدرع درعه، لكن قال شريح له يا أمير المؤمنين شهادة الابن لا تجوز، فرد علي متعجبًا: سبحان الله رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته، فرد عليه شريح: يا أمير المؤمنين ذلك فى الآخرة، أما فى الدنيا فلا تجوز شهادة الابن لأبيه، فقال على: صدقت ورد الدرع لليهودى، فقال اليهودى متعجبًا: أمير المؤمنين قدمنى إلى قاضيه، وقاضيه يقضى عليه ونطق الشهادة فى الحال وأسلم، واعترف أن الدرع درعك على وأنه سقط منك ليلاً، فأهداه له أمير المؤمنين، ن بين أشهر أقواله :عدل يوم أفضل من عبادة ستين سنة.

مواقف من حياة القاضي شريح

كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في يوم من الأيام يريد شراء الفرس الذي سينتقل به ؛ فاشتراه من رجل من الأعراب وأعطاه الثمن، ولمَّا امتطاه ومضى به طويلًا رأى أن به عطبًا يعيقه عن مواصلة السير؛ فرجع به من حيث انطلق وأعطاه للرجل، وأخبره أنه معطوب.

فما كان من الرجل إلا أن قال : لا آخذه يا أمير المؤمنين وقد سلمته لك غير معطوب ، فطلب منه أمير المؤمنين رضي الله عنه أن يُحَكِّم بينهم رجلًا ؛ فاحتكم الرجل بشريح بن الحارث ، فرضي أمير المؤمنين رضي الله عنه به .

وعندما احتكموا بالرجل سألهم عن حال الفرس وهل كان معطوبًا عند الشراء أم لا ؛ فأجابه أمير المؤمنين أنه كان سليمًا غير معطوب ، فحكم لهم بعدم رده إلى صاحبه ، وقال له احتفظ بما شريت يا أمير المؤمنين أو رده كما أخذته ، فأُعجب به أمير المؤمنين رضي الله عنه وبعدله ، وولاه قضاء الكوفة.

ولم يكن ذلك القاضي العادل عند توليته مجهولًا عند أهل العلم وأصحاب المقام والرأي في المجتمع المدني من أجلة الصحابة وكبار التابعين ، وكان رجلًا يمني الموطن ، وقضى شطرًا من حياته في الجاهلية .

ولم يكن أمير المؤمنين رضي الله عنه متعجلًا في اختباره لذلك المنصب الرفيع مع تألق سماء الإسلام يومئذ بالنجوم من الصحابة ، فقد أثبتت الأيام صدق فراسة عمر وصواب تدبيره ، إذ ظل يقضي بين المسلمين ما يقارب الستين عامًا متتابعة من غير انقطاع ، وقد تعاقب على إقراره في منصبه كل من عمر وعثمان وعلي ومعاوية رضوان الله عليهم أجمعين .

كما أقره على ذلك من جاء بعد معاوية بن أبي سفيان من خلفاء بني أمية حتى طلب إعفاءه من ذلك المنصب ، وقد بلغ السابعة بعد المائة من حياته الحافلة بالمفاخر والمآثر .

 من روائع شريح:

ومن المواقف التي تشهد بنزاهته الشديدة أنه في يوم من الأيام جاءه ولده وشرح له خصومة بينه وبين قوم من الأقوام وقال له : إن كان الحق لي قاضيتهم وإن كان لهم صالحتهم ، ولمَّا قصَّ عليه قصته قال له : انطلق فقاضهم .

وعندما مضى إلى خصومه ودعاهم للقضاء واستجابوا له ومثلوا بين يدي القاضي قضى هم على ولده فما كان من الولد بعد ذهبوا لبيتهم إلا أن قال : فضحتني يا أبتي ، والله لو لم أستشرك من قبل ما لمتك أبدًا .

فقال له قاضينا العادل : إنك يابني أحب إلي من ملء الأرض من أمثالهم ، ولكن الله عزَّوجل أعزَّ علي منك ، لقد خشيت أن أخبرك بأن الحق لهم ؛ فتصالحهم صلحًا ينقص عليهم بعض حقهم فقلت لك ما قلت .

وقد كفل يومًا ولدًا من أولاده رجلًا وعندما قبل كفالته ما كان من الرجل إلا أن هرب من يد القضاء ، فتم سجن ابن القاضي مكان الرجل الفار ، فكان ينقل له الطعام بنفسه كل يوم إلى السجن .

وفاته:

وفي عمر السابعة بعد المائة وبعد استقالته من منصبه بشهر واحد مات التابعي الجليل بعد أن أقام في الناس العدل ، وكان مثالًا يُحتذى به في العدل والاستقامة .

اضافة تعليق