كيف ضاع بيت المقدس بعد تحريره على يد صلاح الدين؟

الجمعة، 22 فبراير 2019 12:19 م
كيف ضاع بيت المقدس بعد تحريرها على يد صلاح الدين



بعد استرداد صلاح الدين الأيوبي للمسجد الأقصى، وقع السلطان الأيوبي الكامل في عام 1229م، معاهدة يافا مع الإمبراطور فريدريك الثاني، لتنتقل القدس إلى أيدي الصليبيين مجددا، وذلك بعد أن قسم السلطان صلاح الدين الأيوبي قبل وفاته بفترةٍ وجيزة في عام 1193م، أراضي مملكته بين أقاربه،  فخصَّص أهم المناطق والمدن الاستراتيجية، ومنها القدس، لبعض أبنائه، والمدن الأقل أهمية كانت من نصيب أشقائه وبقية أبنائه. فأوصى لابنه «الملك الأفضل» بالسلطنة من بعده، وأن تكون له السلطة العليا والكلمة النافذة في الدولة الأيوبية كلها، لكن «الأفضل» لم يكن مؤهلاً لهذه المهمة، فحدث نزاع بينه وبين إخوته، واحتكم كل منهم إلى سيفه وقوته.

ويسرد باقي القصة التقرير المنشور على موقع «عربي بوست» والذي يكشف كيف ضاعت القدس مجددا، حينما انتهز الملك العادل، أخو صلاح الدين، فرصة الشتات بين أبنائه وأخوته، وتمكن من خلع الأبناء واحداً بعد الآخر، وأصبح حاكم الدولة الأيوبية بأكملها، بعد أن استعان «العادل» بأبنائه في إدارة الدولة، فأناب ابنه «الكامل محمد» في حكم مصر، وجعل ابنه «المعظّم عيسى» في دمشق، وأعطى «الأشرف موسى» حران، واحتفظ «العادل» لنفسه بالإشراف التام على جميع أنحاء دولته.

ورغم تغلب أبناء «العادل» على الحملة الصليبية الخامسة، إلا أن أطماع أخيهم المعظَّم عيسى، الذي بدأ في محاربة إخوته وأقاربه، للحصول على أراضيهم، كنت سببا لإضعافهم. فهاجم حماة، التي كانت لابن عمّه واستولى عليها، وهو ما أغضب أخويه الكامل والأشرف، وكان هذا بداية الخلاف بينهم.

وعندما شعر «الأشرف» بخطر الخوارزمية الذين يهددون الدولة الأيوبية بكاملها، هرع إلى أخيه «المعظَّم» في دمشق، وطلب منه العمل سريعاً لمواجهة هذا الخطر. لكنّ ردَّ «المعظم» كان هو القبض على أخيه «الأشرف» في دمشق، ولم يطلق سراحه إلا بعد أن تعهَّد له بتمكينه من الاستيلاء على حمص وحماة ثم مهاجمة أخيهما الثالث «الكامل» في مصر أيضاً.



وبمجرَّد أن أفلت «الأشرف» من يد «المعظم» عاد في يمينه التي كان مكرهاً عليها، وذهب إلى «الكامل» وأخبره بكل ما ينويه «المعظم».



و لجأ الملك المعظم إلى الخوارزمية للتغلب على أخويه، ولجأ السلطان الكامل إلى الصليبيين والإمبراطور فريدريك الثاني، لمواجهة الأخطار الداخلية والخارجية التي هددته وهددت دولته، من ناحية أخيه «المعظم» أولاً، ثم الخوارزمية ثانياً.

ليطلب «الكامل» من فريدريك الثاني أن يحضر إلى الشام والساحل، ويعطيه في المقابل بيت المقدس وجميع فتوحات صلاح الدين في الساحل،  فأرسل «الكامل» إلى الإمبراطور مبعوثاً خاصاً هو الأمير فخر الدين يوسف.

وخرج فريدريك  الثاني من بلاده محروماً من الكنيسة ومغضوباً عليه من البابوية، لأن البابا كان يريد وقتها حرباً صليبية سادسة، وهو ما لم يقم به فريدريك الثاني،  الذي اعتمد على وعد «الكامل» له بالحصول على بيت المقدس مقابل ما يقدمه له من مساعدات ضد أخيه «الملك المعظم». لكنّ فريدريك أصيب بخيبة أمل شديدة عندما وصل إلى الشام، فوجد أن الموقف قد تغيّر بوفاة «المعظَّم»، واتفاق أخويه «الكامل» و»الأشرف» على اقتسام بلاده، وكان الملك الناصر داود ابن «المعظم» أضعف من أن يحمي ملك أبيه. وهكذا استقر الوضع لـ «الكامل» دون مساعدة فريدريك، لكنه لم يكن على استعداد لاستعداء الصليبيين عليه بنكث عهده معهم، خاصةً أن خطر الخوارزمية ما زال على الأبواب. أما فريدريك الثاني، فقد كان يعرف أنه ليس أمامه سوى سلاح الدبلوماسية والمفاوضة، للحصول على بيت المقدس.

وبمجرّد وصول فريدريك الثاني إلى عكا، أرسل رسولين محمَّلين بالهدايا إلى «الملك الكامل»، يطالبه بتنفيذ وعده بتسليم بيت المقدس، إلا أن «الكامل» ردَّ بأنه كان سيسلم بيت المقدس ثمناً لمساعدة فريدريك له أمام أخيه «المعظم»، لكن الآن بعد أن تغيّر الوضع فلا داعي إلى دفع هذا الثمن، خاصةً أن هذا سيقلب جموع المسلمين عليه.

أصبح موقف فريدريك حرجاً، خصوصاً بعد أن علم أن البابا أصدر ضده قرار الحرمان مرةً أخرى، وأباح لرعاياه الاعتداء على ممتلكاته. كما أشاعت البابوية نبأً بأن الإمبراطور قد مات، وادَّعى البابا لنفسه حق الوصاية على الإمبراطورية، كل هذا جعل فريدريك يشعر بضرورة عودته سريعاً، لكنه لم يستطع العودة خائباً دون الحصول على بيت المقدس، وهو ما دفعه لتكثيف جهوده الدبلوماسية للحصول على بيت المقدس.



توجَّه فريدريك إلى يافا في نوفمبرعام 1228م، وهو ما أثار قلق «الكامل»، الذي خشي من  اتفاق الإمبراطور وبقية الجموع الصليبية بالشام على القيام بعمل حربي ضده. وكان «الكامل» لا يريد استعداء الصليبيين، لكي لا يقع بين 3 أعداء: ابن أخيه «المعظم»، والخوارزمية والصليبيين، خاصةً أن الصليبيين والخوارزمية قوتان لا يستهان بهما. كما أنه قد أبدى استعداده من قبلُ للتنازل عن بيت المقدس مقابل رحيل الصليبيين عن دمياط، المدينة المصرية التي استولوا عليها خلال الحرب الصليبية الخامسة، لكن الصليبيين رفضوا العرض.

وبعد الكثير من المفاوضات، وافق «الكامل» على عقد اتفاقية يافا مع فريدريك الثاني، وبمقتضى هذه الاتفاقية تقرر الصلح بين الطرفين مدة 10 سنوات، على أن يأخذ الصليبيون بيت المقدس وبيت لحم والناصرة، فضلاً عن صيدا بأكملها. مقابل أن تبقى المدينة على ما هي عليه، وألا يجدَّد سورها، وأن تكون سائر قرى القدس للمسلمين، لا حكم فيها للفرنج، وأن الحرم بما يحويه من الصخرة والمسجد الأقصى يكون بأيدي المسلمين، ولا يدخله الفرنجة إلا للزيارة، ويتولاه المسلمون ويقيمون فيه شعائر الإسلام من الأذان والصلاة. وهكذا استطاع فريدريك مع ضعف إمكاناته، أن يحقق مكاسب ضخمة عجزت عنها جهود ريتشارد قلب الأسد بإمكاناته الضخمة، دون أن يدخل معركة أو يخسر رجلاً واحداً. أرسل السلطان «الكامل» بأن ينادى في القدس بخروج المسلمين منه وتسليمه إلى الفرنج، وهكذا تسلم الصليبيون بيت المقدس، دون ثمن تقريباً.

وفاة «الكامل» واسترداد بيت المقدس

توفى السلطان «الكامل» عام 1238م، في قلعة دمشق، بعد حكمٍ تجاوز 20 عاماً، وكان قد عهد بالمُلك من بعده إلى ابنه الصالح نجم الدين أيوب، وهو الأمر الذي أغضب بقية أمراء الأيوبيين، وفي مقدمتهم أخوه «الأشرف موسى».  أما بيت المقدس، فبعد الأعوام العشرة كما كانت تنص الاتفاقية، تمكن «الملك الصالح» من استعادته من الصليبيين الذين كانوا ينوون خرق الاتفاقية، وأعاد القدس مرة أخرى، مستعيناً بالخوارزميين الفارين من وجه الزحف المغولي.

ويقال أيضاً إن من تمكَّن من استرداد بيت المقدس بعد انتهاء الوقت المنصوص عليه في الاتفاقية هو الملك الناصر داود ابن المعظم، الذي نجح في استرداد القدس بعد حصار الصليبيين إياه 21 يوماً، ليبدأ الصليبيون بعد هذا تجهيز الحملة الصليبية السابعة.

اضافة تعليق