إجابة رأس العارفين.. حتى لا يفوتك الصيام وقيام الليل

الجمعة، 22 فبراير 2019 12:17 م
إجابة رأس العارفين لهذا السبب تترك الصيام وقيام الليل


كان من أعبد الناس في زمانه وأزهدهم، وكان ثقة فاضلاً، ولد بـ "خراسان" وقدم الكوفة وهو كبير، ثم تعبّد وانتقل إلى مكة، فمات بها.

إنه الفضيل بن عياض، أبو علي التميمي، والذي كانت قراءته حزينة شهية بطيئة مترسلة، كأنه يخاطب إنسانًا، وكان إذا مر بآية فيها ذكر الجنة تردد فيها وسأل.

وكان يلقى له حصير بالليل في مسجده، فيصلي من أول الليل ساعة حتى تغلبه عيناه فينام على الحصير، فينام قليلاً، ثم يقوم، فإذا غلبه النوم نام، ثم يقوم، هكذا حتى يصبح.

وكان يقول: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم مكبل، كبلتك خطيئتك.

وقصته مشهورة مع أمير المؤمنين، هارون الرشيد في موسم الحج، حيث طلبه، فوجده قائمًا يصلي، يتلو آية من القرآن، يرددها، فقال لحاجبه: اقرع الباب. فقرعت الباب.

فقال: من هذا؟ فقلت: أجب أمير المؤمنين. فقال: ما لي ولأمير المؤمنين. فقلت: سبحان الله، أما عليك طاعة، أليس قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس للمؤمن أن يذل نفسه»؟.

فنزل ففتح الباب، ثم ارتقى إلى الغرفة، فأطفأ المصباح، ثم التجأ إلى زاوية من زوايا البيت، فدخلنا فجعلنا نجول عليه بأيدينا، فسبقت كف هارون قبلي إليه، فقال: يا لها من كف، ما ألينها، إن نجت غدا من عذاب الله تعالى. فقلت في نفسي: ليكلمنه الليلة بكلام من قلب نقي، فقال له: خذ لما جئناك له رحمك الله.

وقال: إن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة دعا سالم بن عبدالله، ومحمد بن كعب القرظي، ورجاء بن حيوة. فقال لهم: إني قد ابتليت بهذا الأمر فأشيروا علي.

فقال سالم بن عبد الله: إن أردت النجاة غدًا من عذاب الله عز وجل فصم عن الدنيا، وليكن إفطارك فيها الموت.

وقال محمد بن كعب: إن أردت النجاة من عذاب الله، فليكن كبير المسلمين عندك أبًا، وأوسطهم أخًا، وأصغرهم عندك ولدًا، فوقر أباك، وأكرم أخاك، وتحنن على ولدك.

وقال له رجاء بن حيوة: إن أردت النجاة غدًا من عذاب الله عز وجل فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، ثم مت إذا شئت، وإني أقول لك إني أخاف عليك أشد الخوف، يوما تزل فيه الأقدام، فهل معك- رحمك الله- من يشير عليك بمثل هذا؟

فبكى بكاءً شديد حتى غشي عليه، فقلت: ارفق بأمير المؤمنين يا بن أم الربيع، تقتله أنت وأصحابك وأرفق أنا به، ثم أفاق فقال له: زدني رحمك الله. فقال: يا أمير المؤمنين، بلغني أن عاملاً لعمر بن عبد العزيز شكى إليه، فكتب إليه عمر: يا أخي، أذكرك الله طول سهر أهل النار في النار مع خلود الأبد، وإياك أن ينصرف بك من عند الله فيكون آخر العهد منك وانقطاع الرجاء.

فلما قرأ الكتاب طوى البلاد حتى قدم على عمر بن عبد العزيز فقال: ما أقدمك؟ قال: خلعت قلبي بكتابك، لا أعود إلى ولاية حتى ألقى الله عز وجل.
قال: فبكى هارون بكاءً شديدًا، ثم قال له: زدني رحمك الله، فقال: يا أمير المؤمنين إن العباس عم المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جاء إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله أمِّرْنِّي على إمارة، قال له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة، فإن استطعت أن لا تكون أميرًا فافعل.

فبكى هارون بكاء شديدًا، فقال له: زدني رحمك الله، قال: يا حسن الوجه، أنت الذي يسألك الله عز وجل عن هذا الخلق يوم القيامة، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار، فإياك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غش لأحد من رعيتك، فإن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من أصبح لهم غاشاً لم يرح رائحة الجنة.

فبكى هارون وقال له: عليك دين؟ قال: نعم دين لربي لم يحاسبني عليه، فالويل لي إن سألني والويل لي إن ناقشني، والويل لي إن لم اللهم حجتي.

قال: أعني من دين العباد. قال: إن ربي لم يأمرني بهذا، أمرني أن أوحده وأطيع أمره، فقال عز وجل: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين.

فقال له: هذه ألف دينار خذها أنفقها على عيالك، وتقو بها على عبادتك. فقال: سبحان الله، أنا أدلك على طريق النجاة وأنت تكافئني بمثل هذا؟ سلمك الله ووفقك.

 ثم صمت، فلم يكلمنا، فخرجنا من عنده، فلما صرنا على الباب قال: أبا العباس، إذا دللتني على رجل فدلني على مثل هذا، هذا سيد المسلمين.

ودخلت عليه امرأة من نسائه فقالت له: يا هذا، قد ترى ما نحن فيه من ضيق الحال، فلو قبلت هذا المال فانفرجنا به. فقال لها: مثلي ومثلكم كمثل قوم كان لهم بعير يأكلون من كسبه، فلما كثر نحروه فأكلوا لحمه.

فلما سمع هارون هذا الكلام قال: تدخل فعسى يقبل المال، فلما علم الفضيل خرج فجلس على السطح على باب الغرفة، فجلس هارون إلى جنبه، فجعل يكلمه فلا يجيبه، فبينا نحن كذلك إذ خرجت جارية سوداء، فقالت: يا هذا، قد أذيت الشيخ منذ الليلة، فانصرف رحمك الله.. فانصرفنا.

اضافة تعليق