أدب "الرشيد" مع معلمه حين أخطأ في "القرآن"

الجمعة، 22 فبراير 2019 10:25 ص
أدب الرشيد مع معلمه حينما أخطأ في  القرآن


كان الكسائي أحد أئمة القراء، من أهل الكوفة، استوطن بغداد، وكان معلمًا للرشيد، ثم ابنه الأمين بعده.

واسمه "علي بن حمزة بن عبد الله"، واشتهر بالكسائي النحوي، وكان قد قرأ على حمزة الزيات، فأقرأ ببغداد زمانًا بقراءة حمزة، ثم اختار لنفسه قراءة، فأقرأ بها الناس.

قال عنه الشافعي: "من أراد أن يتبحر في النحو فهو عيال على الكسائي".

وقال الفراء: إنما تعلم الكسائي النحو على الكبر، وكان سبب تعلمه: أنه جاء يومًا وقد مشى حتى تعب، فجلس إلى جماعة، فقال: قد عييت. فقالوا له: أتجالسنا وأنت تلحن؟ فقال: كيف لحنت؟ فقالوا له: إن كنت أردت من التعب فقل أعييت، وإن كنت أردت من انقطاع الحيلة والتدبير والتحير  في الأمر فقل: عييت- مخففة فأنف من هذه الكلمة وقام من فوره، فسأل عمن يعلم النحو.

 فأرشدوه إلى أحد شيوخ النحو، فلزمه حتى أنفذ ما عنده، ثم خرج إلى البصرة فلقي الخليل وجلس في حلقته، فقال له رجل من الأعراب: تركت أسد الكوفة وتميمها وعندها الفصاحة، وجئت إلى البصرة؟.

فقال للخليل: من أين أخذت علمك هذا؟ فقال: من بوادي الحجاز، ونجد، وتهامة. فخرج ورجع وقد أنفذ خمس عشرة قنينة حبرًا في الكتابة عن العرب سوى ما حفظه.

ولم يكن له همة غير البصرة والخليل، فوجد الخليل قد مات، وقد جلس موضعه يونس النحوي، فمرت بينهما مسائل أقر له يونس فيها وصدره موضعه.

وفي تسميته بالكسائي قولان: أحدهما: أنه أحرم في كساء.

والثاني: أنه دخل  الكوفة فجاء إلى مسجد، وكان حمزة بن حبيب الزيات يقرئ فيه، فتقدم الكسائي مع أذان الفجر وهو ملتف بكساء، فرمقه القوم بأبصارهم، فقالوا: إن كان حائكًا فسيقرأ سورة يوسف، وإن كان ملاحًا فسيقرأ سورة طه، فسمعهم، فابتدأ بسورة يوسف، فلما بلغ قصة الذئب قرأ: فأكله الذئب بغير همز، فقال له حمزة: الذئب بالهمز.

 فقال له الكسائي: وكذلك أهمز الحوت فالتقمه الحؤت.

قال: لا. قال: فلم همزت الذئب ولم نهمز الحوت؟ وهذا فأكله الذئب، وهذا فالتقمه الحوت؟ فرفع حمزة بصره إلى خلاد الأحول، وكان أجمل غلمانه، فتقدم إليه في جماعة من أهل المجلس فناظروه فلم يصنعوا شيئًا.

فقالوا: أفدنا يرحمك الله. فقال لهم الكسائي: تفهموا عن الحائك؟ تقول إذا نسبت الرجل إلى الذئب: قد استذأب الرجل، فلو قلت: استذاب- بغير همز- لكنت إنما نسبته إلى الهزال، تقول: قد استذاب الرجل إذا استذاب شحمه- بغير همز- وإذا نسبته إلى الحوت تقول: قد استحات الرجل، أي كثر أكله، لأن الحوت يأكل كثيرا، لا يجوز فيه الهمز، فلتلك العلة همز الذئب ولم يهمز الحوت، وفيه معنى آخر: لا تسقط الهمزة  من مفرده ولا من جمعه ، وأنشدهم:
أيها الذئب وابنه وأبوه ... أنت عندي من أذأب الضاريات
قال: فسمي الكسائي من ذلك اليوم .

وقال الكسائي: صليت بهارون الرشيد فأعجبتني قراءتي، فغلطت في آية ما غلط فيها صبي قط، أردت أن أقول: "لعلهم يرجعون"، فقلت: لعلهم يرجعين، فو الله ما اجترأ هارون أن يقول لي أخطأت، ولكنه لما سلمت قال لي: يا كسائي، أي لغة هذه؟ قلت: يا أمير المؤمنين، قد يعثر الجواد. فقال: أما هذا فنعم.

توفي الكسائي في سنة اثنتين وثمانين من الهجرة هو ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، فدفنهما الرشيد، قال: وبلغ الكسائي سبعين سنة.

ورآه بعضهم في المنام كأن وجهه البدر فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بالقرآن، فقلت: ما فعل حمزة الزيات؟ قال: ذاك في عليين ما نراه إلا كما نرى الكوكب الدري.

اضافة تعليق