اليوم العالمي لـ "لغة الأم".. هكذا كونت كلمات أمهاتنا وجداننا في الصغر

الخميس، 21 فبراير 2019 12:11 م
20160721-181


قد يندهش القارئ حينما يعلم بأن اليوم الخميس 21 فبراير هو الموافق لليوم العالمي الذي تحتفل به اليونسكو للغة الأم.

ويتبادر للذهن أول ما يتبادر السؤال: وهل للأم لغة تختلف عن اللغة التي يتحدث بها البشر؟.

حينما تبدأ التفكير تجد أن "لغة الأم" هي اللغة الأولى التي تعلمها الإنسان منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها، حيث اختلط لبن الأم ولغتها بتكوين الإنسان جسديًا وعقليًا، حيث يتغذى عقل ووجدان الطفل على لغتها البسيطة التي تعبر عن بفطرتها الطيبة.

فأول ما يتعلم الطفل الرضيع يتعلم من أمه معنى الحب والحنان ويعرف كيف يعبر عن الألم والفرح، وتتكون أول كلماته وذاكرته اللغوية من على لسان أمه.

ومن بين الكلمات التي يبدأ الطفل في سماعها من أمه والتي تعبر عن حنانها وبساطتها، والقدرة الإلهية في زرع هذه اللغة البسيطة التي يفهمها الأطفال والرضع من على لسانها، فيبدأ النطق بها وهي: "ماما وبابا والله".

ثم يبدأ يتعلم نطق بعض الأشياء الغريزية للطعام والشراب مثل "مم" للدلالة على الجوع  "وبب" للدلالة على العطش، ثم تبدأ في تعليمه بعض المنبهات التي تزيح عنه الخطر مثل "يح" للدلالة على خطر الاقتراب من النار و"كخ" للدلالة على عد الاقتراب من الأشياء المقززة.

وهكذا يبدأ الطفل في اكتساب لغته الأولى من الأم دون غيرها، لتكون الأم هي الوعاء الأول في تكوين جسده ولغته ووجدانه.

فكرة اليونسكو

وعبر الاحتفال باليوم الدولي للغة الأم، تدعم اليونسكو تعليم اللغة الأم والتعليم متعدد اللغات. والهدف الأساسي وراء هذا اليوم هو المساهمة في تعزيز التعليم من أجل المواطنة العالمية.

وتنظم اليونسكو الاحتفال باليوم العالمي للغة الأم لعام 2018 تحت عنوان "الحفاظ على التنوع اللغوي وتعزيز التعدد اللغوي من أجل دعم أهداف التنمية المستدامة".

كما يدعم الاحتفال باليوم العالمي للغة الأم كهدف من أهداف التنمية المستدامة الذي ينص على "ضمان أن تلمّ بالقراءة والكتابة والحساب نسبة كبيرة من الشباب من الكبار، رجالاً ونساء على حد سواء، بحلول عام 2030 ".

ويقام الاحتفال بهذا اليوم في مقر اليونسكو يوم 21 فبراير 2018، بحيث يتم تنظيم أنشطة مختلفة تهدف إلى تعزيز تعليم اللغة الأم والتعليم متعدد اللغات.

وقد يعتبر البعض الأمر مبالغة لكن الأمر أكثر من ذلك بكثير، فاللغة من مقومات حياة وفكر الإنسان، وهي روح الجماعة التي تكسب هذه الأخيرة حسا وإحساسا بالخصوصية والتميز، حيث لا يمكن للغة شعب ما أن تبقى حية وأن تتطور إذا لم يستخدم هذا الشعب لغته الأم كلغة للحياة اليومية.

جاءت فكرة الاحتفال بلغة الأم بعد حادث سياسي فرض فيها محمد علي جناح رئيس الحكومة المركزية الباكستانية المتركزة في غرب باكستان والحاكم العام للبلاد في اجتماع جماهيري في 21 مارس عام 1948 ، فرض اللغة الأوردية على البنغاليين، فقامت الطبقات الوسطى الناهضة في بنغال الشرقية (جمهورية بنغلاديش الحالية) خلال سنتي 1950-1952 بانتفاضة عُرفت لاحقاً بـ"الحركة اللغوية البنغالية".

هذا الإجراء الإقصائي دفع البنغاليين إلى خلق هذه الحركة كرد فعل مباشر، علما أن اللغة الأوردية كانت لغة الأقلية ولغة النخبة آنذاك، إلا أنها فرضت لغة وطنية وحيدة يتم التداول بها على الأراضي الباكستانية، وكان القرار الجائر قد باركه حاكم بنغال الغربية خواجة نظام الدين في تواطئ سياسي رخيص.

احتجاجًا على قرار فرض هذه اللغة إذا، قام الطلبة بالتظاهر في إضراب وطني عام في بنغال الشرقية وقامت الشرطة الباكستانية بفتح النار عليهم. راح ضحية هذا العنف خمسة من الطلبة البنغاليين بالقرب من كلية الطب في مدينة داكا، العاصمة الحالية لجمهورية بنغلاديش. ونتيجة لذلك العنف من جانب الشرطة، اتسعت رقعة الاحتجاجات العارمة لتعم سائر الأقاليم البنغالية، مما أضطر الحكومة المركزية إلى الاعتراف باللغة البنغالية كلغة تتداول على قدم المساواة مع اللغة الأوردية في باكستان.. وقد قامت الحكومة البنغالية بتشييد نصب لشهداء الحركة أمام كلية الطب في داكا، يعرف بنصب شهيد منار.

بعد هذا الحدث الذي طبع تاريخ اللغات، شرع في تخليد اليوم العالمي للغة الأم تشجيعا للتنوع اللغوي والثقافي، وسعيًا منها إلى حفظ هذا التنوع وكذا رعاية التقاليد والتراث اللغوي بشكل يعزز التضامن بين البشر ويؤسس للتفاهم المتبادل والحوار والتسامح، بادرت اليونسكو بعد اقتراح من بنجلاديش وافقت المنظمة عليه إلى تخليد هذا اليوم تحت عنوان "اليوم العالمي للغة الأم".

هكذا بدأت اليونسكو تحتفل بهذا العيد كمناسبة سنوية، وتدعو جميع أعضاء هذه المنظمة الدولية للمشاركة في هذا الاحتفال من أجل الحفاظ على التنوع الثقافي واللغوي وتعدد اللغات.

وأصبحت اللغة في صلب أهداف منظمة اليونسكو، كما خصصت جائزة توزع في هذا اليوم على اللغويين والباحثين ونشطاء المجتمع المدني لقاء عملهم في مجال التنوع اللغوي والتعليم المتعدد اللغات.

 وشرعت المنظمة في توزيع هذه الجوائز منذ عام 2002، وحازت عليها عدة شخصيات تهتم بميدان اللغات إضافة إلى عدة مؤسسات تعليمية من أحد عشرا بلداً. من هنا راح الجميع يبدون اهتمامهم بحفظ لغة الأم.

والحديث هنا يدور عن عالم يتكلم سكانه بما يزيد عن ستة آلاف لغة، وبعضها يتهددها الانقراض، إضافة إلى اسكتلاندا والهند وكندا واليابان وماليزيا والمكسيك والأرجنتين.

وللإشارة، فقد انمحت في العهود الماضية من ميدان التداول أكثر من مئتي لغة. وبذلك خسرت البشرية منظومات لغوية وثقافية بأكملها جراء تعامل بعض البشر بفظاظة وتعصب مع اللغات والثقافات.

ومبرر الاحتفال بهذه الذكرى واستحضار أهمية اللغة الأم يتلخص في الأهمية الكبرى للغة الأم في بناء شخصية الطفل، فقد أظهرت نتائج كثير من الدراسات أهمية تعلم الطفل لغته الأم قبل الشروع في تعلمه اللغة الأجنبية.

وحذرت دراسات جالاجر (2001) من أن قيام المدارس الدولية بوضع الأطفال الصغار في برامج الطفولة المبكرة دون دعم من اللغة الأم له آثار سلبية على الأطفال.

وأشارت إلى أن تعلم الأطفال للغتهم الأم من شأنه أن يساعدهم في بناء الأساس الأكاديمي الذي سيساهم في نجاحهم الدراسي والمهني في المستقبل.

لتؤكد على أهمية اللغة الأم في بناء شخصية الطفل وكذا في رسم مسار تعلمي ناجح.

اضافة تعليق