حرف ومهن تختفي.. البحث عن الربح السريع يهدد "صنايعية" مصر

الخميس، 21 فبراير 2019 11:24 ص
من سيأكل من عمل يده



اندثرت عشرات الحرف اليدوية، مع البحث عن الكسب السهل، وتركيز الناس على بعض الأعمال التي تعتمد على الاستيراد من الخارج، أو المهن البسيطة مثل السواقة والضيافة.

في حين غابت الورش والأيدي العاملة من المناطق الشعبية، فزادت الديون والبطالة، وقل المبدعون من أصحاب المهن التاريخي مثل النجارة والحدادة والعمارة.

وللعمل منزلةٌ شريفة في الإسلام أيًّا ما كان ذلك العمل، شرْطَ أن يكون مباحَ الأصل، نافعًا غير ضار، وقد ذكر الله - تعالى - في القرآن الكريم، بمفهومه الشامل: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ [النحل: 97]، فدلَّت الآية على إكرام الله تعالى للعاملين من الرِّجال والنِّساء عملاً صالحًا بالسَّعادة في الدنيا.

وذكر الله سبحانه وتعالى مَن يَضرِب في الأرض يبتغي الحلالَ وقدمهم على المجاهدين في الذِّكْر؛ ﴿ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ﴾.

وأشار القرآن الكريم إلى حرف الأنبياء التي كانوا يشتغلونها، للدلالة على عظمة العمل اليدوي، فذكر نوح عليه السلام وكان يعمل في النِّجارة وصناعة السفن: ﴿ وَاصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ﴾ [هود: 37].

وذكر الله تعالى حرفة نبيه داود عليه السلام : ﴿ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [سبأ: 11]، وأنَّه كان يعمل في صُنع الدُّروع، وقد قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((كان داودُ لا يأكل إلاَّ مِن عَمِل يَدِه))؛ رواه البخاري.

وكان موسى عليه السلام يعمل أجيرًا عند الرجل الصالح؛ قال تعالى: ﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ ﴾ [القصص: 27]، فتزوج ابنته، وعمل عنده عشر سنين.

وعمل زكريا عليه السلام في النجارة والخشب؛ فيقول النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: ((كان زكريا - عليه السلام - نَجَّارًا)).

وفي المستدرك عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما-: كان داود زرَّادًا، وكان آدمُ حرَّاثًا، وكان نوحٌ نَجَّارًا، وكان إدريس خيَّاطًا، وكان موسى راعيًا - عليهم السلام.

وحثَّ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم على العمل والامتهان بالحرف اليدوية، وقالت عائشة رضي الله عنها: ((كان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يَخصِفُ نعله، ويَخيط ثوبَه، ويعمل في بيته كما يعمل أحدُكم في بيته)).

كما عمل النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في رعْي الغنم؛ كما ثبت في صحيح البخاري: أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((ما بَعثَ الله نبيًّا إلاَّ رَعَى الغَنم))، قالوا: وأنت يا رسولَ الله؟ قال: ((وأنا كنتُ أرعاها على قراريطَ لأهْلِ مكَّة)).

وعظم الله أمْرَ العمل والصناعة باليد، فقد مرَّ على النبي صلَّى الله عليه وسلَّم رجلٌ فرأى أصحاب النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، مِن جَلَدِه ونشاطه ما أعجبَهم، فقالوا: يا رسولَ الله لو كان هذا في سبيل الله، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : ((إنْ كان خَرجَ يَسعى على ولدِه صغارًا، فهو في سبيل الله، وإن خَرج يَسعى على أبوينِ شيخَينِ كبيرَينِ، فهو في سبيل الله، وإن كان يَسعى على نفسِه يَعفُّها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج رِياءً وتفاخُرًا فهو في سبيل الشَّيطان)).

ومن الصحابة من كان من أصحابَ مِهن وحِرَف؛ فمنهم اللَّحَّام والجزَّار والبزَّاز والحدَّاد، والخيَّاط والنَّسَّاج والنَّجَّار والحجَّام، وقد احترف التجارةَ منهم ناسٌ برًّا وبحرًا.

 حرف تندثر من شوارعنا

ومع ذلك، اندثرت عشرات الحرف اليدوية من منطقنا الشعبية، ولم تجد وأنت تمر النجار أو الحداد، أو صناع الأحذية، كما كنا نجدهم في كل زقاق في مصر، وتمتلئ بهم الحارات والأزقة.

تقارير حذرت من اندثار حرف كثيرة نتيجة عدم الاهتمام بتعليم الأطفال لهذه المهن، واعتماد الكثير من الناس على مهن حديثة مثل "التوك توك" وأعمال الضيافة في المطاعم، وغيرها من المهن البسيطة.

ومع انقلاب الموازين، ما أن ينطقَ متكلِّم عن العمل، إلاَّ ويتبادر إلى ذهن السامع الوظائفُ والأعمال المكتبيَّة، وكأنَّ العملَ مقصور عليها، منحصِرٌ فيها، ما نتج عنه احتقارُ المهن وازدراء أصحابها، والإعلاء من شأن الوظيفة المكتبيَّة، وهذه النظرة الدُّونية تُمارس على جميع المستويات والطبقات، وتُغرَس في النُّفوس منذ الصغر.

وترك الناس، الزِّراعة والصِّناعة والتِّجارة، وقد ورد أن الكسب بالزراعة أفضل، لأنه من باب الطعام من عمل اليد، ثم الصناعة؛ لأنَّ الكسب فيها يحصل بكدِّ اليمين، ثم التِّجارة؛ لأنَّ الصحابة كانوا يكتسبون به، والأصحُّ - كما اختاره النووي - أنَّ العمل باليد أفضل، قال: "فإن كان زارعًا بيده فهو أطيب مطلقًا؛ لِجَمعه بين هذه الفضيلةِ وفضيلة الزِّراعة.

وكشف تقرير أنه من المتوقع اندثار سبعة ملايين وظيفة جراء التحول الرقمي، وفقًا للأرقام الصادرة عن أبحاث المنتدى الاقتصادي العالمي.

وأظهر تقرير صادر عن جامعة أوكسفورد أن حوالي 47% من إجمالي الوظائف الحالية لن تحتاج إلى اليد العاملة البشرية في المستقبل، حيث أصبح تطور الروبوتات والتكنولوجيا يهدد سوق العمل بشكل واضح وملموس.

وبحلول سنة 2020، من المتوقع أن تندثر حوالي سبعة ملايين وظيفة جراء التحول الرقمي، وذلك وفقًا للأرقام الصادرة عن أبحاث المنتدى الاقتصادي العالمي، إلا أن بوادر هذا التغيير ستبدأ بالظهور خلال هذه السنة.

اضافة تعليق