دعا الله متعلقا بأستار الكعبة.. فصنف علما لم يسبقه أحد إليه

الإثنين، 18 فبراير 2019 12:59 م
دعا الله متعلقا بأستار الكعبة .. فصنف علما لم يسبق إليه


لا يوجد علم من العلوم وضع أو دوّن كاملاً، فكل من أسس أو وضع علمًا، جاء من بعده وزاد فيه أو استدرك عليه، لكن أن تجد واحدًا وضع علمًا من أوله إلى آخره ، فهذا نادر جدًا، وربما لم يتحقق لأحد من علماء العرب مثل ما تحقق للخليل بن أحمد الفراهيدي واضع "علم العَرُوض"، وهو الذي يعتني أوزان موسيقى الشعر.

الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم أبو عبد الرحمن الفراهيدي، شيخ النحاة، وعنه أخذ سيبويه والنضر بن شميل، وغير واحد من أكابرهم، وهو الذي اخترع علمالعَرُوض.

 يقال إنه حج ذات مرة وتعلق بأستار الكعبة ودعا الله عزوجل بأن يوفقه لوضع علم لم يسبق إليه الأولون ولا الآخرون، فرجع فوضع "علم العَرُوض".

وقسم الخليل إلى خمس دوائر وفرعه إلى خمسة عشر بحرا، وزاد الأخفش فيه بحرًا آخر وهو الخبب- بحر المتدارك- .

كما صنف كتاب العين في اللغة، ابتدأه وأكمله النضر بن شميل وأضرابه من أصحاب الخليل.

وكان الخليل رجلاً صالحًا عاقلاً وقورًا كاملاً، وكان متقللاً من الدنيا جدًا، صبورًا على خشونة العيش وضيقه.

 وكان يقول: لا يجاوز همي ما وراء بابي، وكان ظريفًا حسن الخلق، وذكر أنه اشتغل رجل عليه في العروض وكان بعيد الذهن فيه.
قال: فقلت له يومًا: كيف تقطع هذا البيت؟
 إذا لم تستطع شيئا فدعه * وجاوزه إلى ما تستطيع
 فشرع معي في تقطيعه على قدر معرفته، ثم إنه نهض من عندي فلم يعد إلي، وكأنه فهم ما أشرت إليه.

ويقال إنه لم يسم أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم بأحمد سوى والد الخليل.

وكتب إليه سليمان بن علي الهاشمي يستدعيه لتعليم ولده بالنهار ومنادمته بالليل، وبعث إليه ألف دينار ليستعين بها على حاله، فأخرج إلى الرسول زنبيلاً فيه كسر يابسة، فأراه إياها وقال له: إني ما دمت أجد هذه الكسر فإني عنه غني وعن غيره، ورد الألف دينار وقال للرسول: اقرأ على الأمير السلام وقل له: إني قد أَلِفْتُ قوما، وألفوني، أجالسهم طول نهاري وبعض ليلي، وقبيح لمثلي أن يقطع عادة تعودها  إخوانه، وكتب إليه بهذه الأبيات:
أبلغ سليمان أني عنه في سعة .. وفي غنى غير أني لست ذا مال
وإن بين الغنى والفقر منزلة .. مقرونـــة بجديـد ليس بالبـــالي
سخى بنفسي أني لا أرى أحدا .. يموت هزلا ولا يبقى على حال
والفقر في النفس لا في المال نعرفه .. ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال
والرزق عن قدر لا العجز ينقصه ..   ولا يزيدك فيه حول محتـــال
كل امرئ بحبال الموت مرتهن ..  فاعمــد لبالك إني عامـد بــالي
قال الثوري: اجتمعنا بمكة، أدباء كل أفق، فتذاكرنا أمر العلماء، فجعل أهل كل بلد يرفعون علماءهم ويصفونهم حتى جرى ذكر الخليل فلم يبق أحد منهم إلا قال:الخليل أذكى العرب، وهو مفتاح العلوم ومصرفها.

وكان الخليل من أزهد الناس وأعلاهم نفسًا، وأشدهم  تعففًا، ولقد كان الملوك يقصدونه ويتعرضونله لينال منهم فلميكن يفعل ذلك، وكان يعيش من بستان خلفه له أبوه، وكان الخليل يحج سنة ويغزو سنة حتى مات.

وقال النضر بن شميل: ما رأينا أحدًا أقبل الناس إلى علمه فطلبوا ما عنده أشد تواضعًا من الخليل.

وقال محمد بن سلام الجمحي صاحب "طبقات فحول الشعراء": سمعت مشايخنا يقولون: لم يكن في العرب بعد الصحابة أذكى من الخليل ولا أجمع ولا كان في العجم أذكى من ابن المقفع ولا أجمع.

ومن جميل كلامه، قال النضر: سمعت الخليل يقول:"الأيام ثلاثة، فمعهود وهو أمس، ومشهود وهو اليوم، وموعود وهو غد".

وقال الخليل أيضًا: ثلاث تيسر المصائب: (مرور الليالي، والمرأة الحسناء، ومحادثة الرجال).
وأنشد لنفسه:
يكفيك من دهرك هذا القوت .. ما أكثر القوت لمن يموت
وقد ولد رحمه الله سنة مائة من الهجرة، ومات بالبصرة سنة سبعين ومائة على المشهور.

اضافة تعليق