للرجولة والشهامة أسرار.. حكايات تفوق الخيال

السبت، 16 فبراير 2019 03:12 م
للرجولة والشهامة أسرار.. حكايات تفوق الخيال


إغاثة الملهوف من أعظم الأخلاق، وقد استدلت السيدة خديجة بفطرتها السليمة حينما بدئ النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي أن الله لن يضيعه، لأن من أخلاقه أنه" يغيث الملهوف".

وللعرب حكايات وأسرار كثيرة في ذلك حفظتها كتب التاريخ، ومن ذلك ، ما كان سبب فتح المعتصم عمّورية أن امرأة وقعت في الأسر، فنادت وامحمداه،وامعتصماه، فبلغه الخبر، فركب لوقته وتبعه الجيش فلما فتحها قال: لبيك أيتها المنادية.

وكان سعيد بن العاص ذا نخوة وهمة، قيل له في مرضه: إن المريض يستريح إلى الأنين وإلى شرح ما به إلى الطبيب، فقال: أما الأنين، فهو جزع وعار، والله لا يسمع الله مني أنينا، فأكون عنده جزوعًا، وأما وصف ما بي إلى الطبيب، فو الله لا يحكم غير الله في نفسي إن شاء أمسكها، وإن شاء قبضها.

ومن الشرف والرياسة حفظ حقوق الجار، وكانت العرب ترى ذلك دينا تدعو إليه وحقا واجبا تحافظ عليه، وكان أبو سفيان بن حرب إذا نزل به جار قال: يا هذا إنك اخترتني جارا أو اخترت داري دارا، فجناية يدك علي دونك وإن جنت عليك يد، فاحتكم حكم الصبي على أهله.

وكان الفرزدق يجير من عاذ بقبر أبيه غالب بن صعصعة، فممن استجار بقبر أبيه فأجاره امرأة من بني جعفر بن كلاب خافت لما هجا الفرزدق بني جعفر أن يسميها وينسبها، فعاذت بقبر أبيه، فلم يذكر لها اسما ولا نسبا.

وأخذ الحجاج الأمير يزيد بن المهلب بن أبي صفرة وعذبه واستأصل ما عنده وسجنه، فتوصل يزيد بحسن تلطفه وأرغب السجان واستماله، وهرب هو والسجان.

 وقصد الشام إلى سليمان بن عبد الملك بن مروان، وكان الخليفة في ذلك الوقت الوليد بن عبد الملك، فلما وصل يزيد بن المهلب إلى سليمان بن عبد الملك أكرمه وأحسن إليه، وأقامه عنده.

فكتب الحجاج إلى الوليد يعلمه أن يزيد هرب من السجن وأنه عند سليمان بن عبد الملك أخي أمير المؤمنين، وولي عهد المسلمين وأن أمير المؤمنين أعلى رأيا.
فكتب الوليد إلى أخيه سليمان بذلك، فكتب سليمان إلى أخيه يقول: يا أمير المؤمنين إني ما أجرت يزيد بن المهلب إلا لأنه هو وأبوه وإخوته من صنائعنا قديما وحديثا، ولم أجر عدوا لأمير المؤمنين.

 وكتب له أيضًا إن الحجاج قصده وعذبه وأغرمه أربعة ملايين درهم ظلما، ثم طالبه بعدها بثلاثة ملايين درهم وقد صار إلي واستجار بي، فأجرته وأنا أغرم عنه هذه الأموال، فإن رأى أمير المؤمنين، أن لا يخزيني في ضيفي فليفعل، فإنه أهل الفضل والكرم.

فكتب إليه الوليد،أنه لا بد أن ترسل إلي يزيد مغلولاًمقيًدا، فلما ورد ذلك على سليمان أحضر ولده أيوب فقيده ودعا يزيد بن المهلب فقيده، ثم شد قيد هذا إلى قيد هذا بسلسلة وغلّهما جميعا بغلين وأرسلهما إلى أخيه الوليد.

وكتب إليه: أما بعد، يا أمير المؤمنين فقد وجهت إليك يزيد وابن أخيك أيوب بن سليمان، ولقد هممت أن أكون ثالثهما، فإن هممت يا أمير المؤمنين بقتل يزيد، فبالله عليك ابدأ بأيوب من قبله، ثم اجعل يزيد ثانيًا واجعلني إذا شئت ثالثًا والسلام.

فلما دخل يزيد بن المهلب وأيوب بن سليمان في سلسلة واحدة أطرق الوليد استحياء وقال: لقد أسأنا إلى أبي أيوب إذ بلغنا به هذا المبلغ، فأخذ يزيد ليتكلم ويحتج لنفسه فقال له الوليد: ما يحتاج إلى كلام فقد قبلنا عذرك وعلمنا ظلم الحجاج.

 ثم إنه أحضر حدادًا وأزال عنهما الحديد وأحسن إليهما ووصل أيوب ابن أخيه بثلاثين ألف درهم ووصل يزيد بن المهلب بعشرين ألف درهم وردهما إلى سليمان، وكتب كتابًا إلى الحجاج يقول له: لا سبيل لك على يزيد بن المهلب فإياك أن تعاودني فيه بعد اليوم.

فسار يزيد إلى سليمان بن عبد الملك وأقام عنده في أعلى المراتب وأرفع المنازل.

وحكي أن رجلاً من الشيعة كان يسعى في فساد الدولة فجعل المهدي لمن دل عليه أو أتى به مائة ألف درهم، فأخذه رجل من بغداد فأيس من نفسه فمر به معن بن زائدة فقال له: يا أبا الوليد أجرني أجارك الله.

فقال معن للرجل: مالك وماله؟ فقال: إن أمير المؤمنين طالبه قال: خلّ سبيله، قال: لا أفعل، فأمر معن غلمانه فأخذوه بالقوة  وأردفه بعضهم خلفه.

 ومضى الرجل فأخبر أمير المؤمنين المهدي بالقصة، فأرسل يطلب معن فأحضره فلما دخل عليه قال له: يا معن أتجير علي، قال: نعم يا أمير المؤمنين قتلت في يوم واحد في طاعتكم خمسة آلاف رجل هذا مع أيام كثيرة تقدمت فيها طاعتي أفما تروني أهلا أن تجيروا إلي رجلا واحدا استجار بي، فاستحيا المهدي وأطرق طويلا ثم رفع رأسه وقال: قد أجرنا من أجرت يا أبا الوليد.

 قال: إن رأى أمير المؤمنين أن يصل من استجار بي فيكون قد أجاره وحباه، قال: قد أمرت له بخمسين ألف درهم.

 فقال معن: يا أمير المؤمنين ينبغي أن تكون صلات الخلفاء على قدر جنايات الرعية وإن ذنب الرجل عظيم فإن رأى أمير المؤمنين أن يجزل صلته فليفعل، قال: قد أمرت له بمائة ألف درهم، فرجع معن إلى منزله ودعا بالرجل ودفع له المال ووعظه وقال له: لا تتعرض إلى أن تغضب الخلفاء.

اضافة تعليق