خائف دائمًا بسبب الرزق.. فلماذا كتبه الله لك ولماذا أمرك بالسعي إليه؟

السبت، 16 فبراير 2019 12:51 م
تفكر في الرزق ويصيبك بالخوف


لا يفكر ابن آدم في يومه وليلته، كما يفكر في الرزق، فهو أكثر ما يقلق الإنسان، وربما كان المصدر الوحيد للخوف، حتى أنه ربما بصيب البعض بالاكتئاب من شدة التفكير في أبنائه وتأمين مستقبلهم، وماذا لو ترك العمل من أين سيأتي برزق أبنائه، وأسئلة كثيرة تدور في أذهاننا.

ويقول الدكتور على جمعة مفتى الجمهورية السابق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر ، إن الله عز وجل هو مالك الكون، لذلك فهو الذي يوزع بعلمه وقدرته الأرزاق على عباده من منطلق عدله وعلمه المطلق في مُلكه وملكوته، فالله سبحانه وتعالى {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ}.. [البروج : 16].

 ورد المفتي على سؤال ورد إليه يقول: "لماذا كتب الله على نفسه ألا يرزقنا إلا من حيث لا نعلم؟ ولماذا لا يكون الرزق من نفس طلب السائل في الدعاء؟ وهل في ذلك حكمة؟".

وأضاف أنه لو ترك الله الأمر لعباده لسادت الفوضى والظلم في الكون، فالله يوزع الأرزاق بعدله على عباده، وله الحكمة فى توزيع هذه الأرزاق لما يعلمه عن عباده، فالله هو الرزاق لأنه هو العليم، وهو القادر، وهو المالك والملك بما أن هذا الملك ملكه هو وحده الأحد فله القدرة المطلقة على توزيع الأرزاق بمنتهى العدل والحكمة والتي تتجلى واضحة فى وصف الله نفسه بصفاته وأسمائه في كتابه الكريم والتى تتخطى الـ 150 اسماً فى القرآن الكريم، وأكثر من 160 اسماً فى السنُة النبوية المطهرة.


 نعم جعل الله تعالى للرزق قوانين لا تتغير ولا تتبدل، من اتبعها نال الرزق من الله تعالى، وذلك أن الله خلق الخلق وتكفل بالأرزاق كما في قوله: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [هود: 6].


نعم.. إذا هم تدبروا كتاب الله، وأول هذه القوانين أن الرزق يحتاج إلى سعي وطلب، من أراد الرزق فعليه أن يسعى في طلبه، كما في قوله عز وجل: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [تبارك: 15]. وكذلك: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10]. وكذلك: {...إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ...} [العنكبوت: 17].

فمطلوب من المسلم أن يسعى في طلب الرزق، ويعلم أن الرزق من عند الله، فيتوكل على الله في طلب الرزق كما أرشد الرسول صلى الله عليه وسلم: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا» (السلسلة الصحيحة).

وإذا تخلف الرزق فإن السبب تخلف شيء من أسبابه، وبالطبع هناك آداب تلازم العبد في طلب رزقه، مثلًا: يعلم يقينًا أن الرزق بيد الله ينزله بحكمة على من يشاء.. أحياناً: {...إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37]. و{اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [العنكبوت: 62].

فهو سبحانه الذي يوسع على من يشاء في الرزق، ويقدر على من يشاء، لا عشوائية في ذلك تعالى الله عن ذلك، ولكن بناء على أنه: {بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} ويعلم العبد يقينًا أن رزقه سيصل إليه فلا يستبطئ الرزق، ولا يطلبه بالحرام كما نبه النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تستبطئوا الرزق فإنه لم يكن عبد ليموت حتى يبلغ آخر رزق هو له؛ فأجملوا في الطلب: أخذ الحلال وترك الحرام» (السلسلة الصحيحة). ولا يزدري نعمة الله عليه مهما قلّت، قال صلى الله عليه وسلم: «انظروا إلى من أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم» .

فالرزق مقدر ومعلوم، والإنسان في بطن أمه لم يكتمل بناءا أو تشكيلا، فلا يزيد رزقه عند خروجه على ما كتب ولا ينقص.

فعن أَبِي أمامة أَنّ رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: إنّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعِي أنّ نَفْساً لنْ تَمُوتَ حَتّى تَسْتَكْمِلَ أجَلَها وَتَسْتَوْعِبَ رِزْقَها، فاتّقُوا الله وأجْمِلُوا في الطَّلبِ، ولا يَحْمِلنَّ أحَدَكُمُ اسْتِبْطاءُ الرِّزْقِ أنْ يَطْلُبَهُ بِمَعْصِيَةِ الله، فإنّ الله تعالى لا يُنالُ ما عِنْدَهُ إلاّ بِطاعَتِهِ. رواه أبو نعيم في حلية الأولياء وصححه الألباني.

وانظر وتأمل معي قول الله عز وجل في سورة هود: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [هود: 6].

هذه الآية تبين حقيقة هذه القضية وأن الرزق والأجل لم يكل الله أمرهما لأحد غيره.. وإنما تكفل وحده سبحانه بهما بل وأعطانا من المؤكدات كما سنوضح في الآية الكريمة ما يجعل الإنسان العاقل الحكيم يثق تمام الثقة ويوقن تمام اليقين أن رزقه الذى قدره الله تعالى له منذ الأجل وقسمه له حتى قبل أن يوجد على الأرض لن يستطيع أحد أن ينال منه شيئا.

انظر إلى قوله سبحانه: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ ﴾ [هود: 6] لم يقل وما دابة في الأرض..إنما أتى بحرف الجر(من) الذى من بعض معانيه يفيد الابتداء أي من بداية ما يقال له دابة مهما صغر حجمها ومهما كبر ولو كان لا يرى إلا بالمجهر فهذا الحجم تكفل الله تعالى برزقه وضمن له العمر الذى قدره له.

يقول الإمام الرازي في التفسير الكبير: "روي أن موسى عليه السلام عند نزول الوحي إليه تعلق قلبه بأحوال أهله، فأمره الله تعالى أن يضرب بعصاه على صخرة فانشقت وخرجت صخرة ثانية؛ ثم ضرب بعصاه عليها فانشقت وخرجت صخرة ثالثة، ثم ضربها بعصاه فانشقت فخرجت منها دودة كالذرة وفي فمها شيء يجري مجرى الغذاء لها، ورفع الحجاب عن سمع موسى عليه السلام فسمع الدودة تقول: سبحان من يراني، ويسمع كلامي، ويعرف مكاني، ويذكرني ولا ينساني". فاعلم أن الله رازقك أينما كنت.. فقط توكَّل عليه سبحانه وثق برزقه.

اضافة تعليق