ما بين الزهد والندم على الدنيا معان مختلفة.. قصة تكشف لك الحقيقية

الجمعة، 15 فبراير 2019 03:25 م
قصة تبين لك الحقيقية


القراءة في دفتر الماضي ضياع للحاضر، وتمزيق للجهد، ونسف للساعة الراهنة التي نعيش فيها، فالتفكير في الأشياء التي ضاعت من بين أيدينا هو ضياع للعمر والجهد.

هناك من يصر أن يعيش في الماضي، ويظل أسير الفرصة التي فاتته ولم يكتبها الله لها، فيكون مثل المنبت الذي حذر من مصيره النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال: "إن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى".

وفي ذلك علمنا ربنا سبحانه وتعالى أن ذكر الأمم وما فعلت  من التاريخ والعبرة فقط، فقال: ﴿ تلك أمة قد خلت ﴾ انتهى الأمر وقضي، ولا طائل من تشريح جثة الزمان، وإعادة عجلة التاريخ.

ولا ريب في أن هناك فرقًا بين الفائت من أمر الدنيا، والفائت من أمر الآخرة، فالحزن على الدنيا مضيعة وهلاك، ولكن الحزن المطلوب هو الحزن على الاخرة الذي يتطلب العمل، والتوبة.


يقول ابن الجوزي في كتابه "الطب الروحاني":"العاقل لا يخلو من الحزن؛ لأنه يتفكر في سالف ذنوبه، فيحزن على تفريطه... فأما إذا كان الحزن لأجل الدنيا وما فات منها، فذلك الحزن... فليدفعه العاقل عن نفسه، وأقوى علاجه أن يعلم أنه لا يرد فائتًا، وإنما يضم إلى المصيبة مصيبة، فتصير اثنتين، والمصيبة ينبغي أن تخفف عن القلب وتُدفَع، فإذا استعمل الحزن والجزع، زادت ثقلًا".

ويقول العلماء إن ضياع الفرص في الدنيا لا يمكن تجنبه بحال من الأحوال‏,‏ لأنه يرتكز علي تفكير الانسان وخبراته ودرايته وقت اتخاذ القرار بالإيجاب أو بالسلب‏,‏ كما يرتكز على تنبؤات قد تتحقق وقد لا تتحقق.

وقد يكون القرار وقت اتخاذه صائبا من جميع الزوايا‏,‏ ثم تحدث تطورات تغير من حسابات صاحب القرار، تجعل نتيجة القرار الصحيح وقتئذ على عكس ما نحب ونشتهي‏,‏ فليس كل قرار نتخذه يوافق الصواب في حينه أو بعد حين‏، ‏ومن ثم لابد أن تكون هناك فرص ضائعة.

 أما الآخرة فلا تحسب بنفس الطريقة، فإما عمل يدخل الجنة، وإما عمل يدخل النار، فليست هناك مفاجآت أو تطورات غير منظورة‏،‏ ومن هنا فإن من يدخل النار لا يستطيع أن يحتج بأي شيء،‏ وبالتالي فسوف يكون الندم رفيقه الي مالا نهاية‏.

ويضيف العلماء، أن الإيمان بالقضاء والقدر يزيل ندم العبد على ما فاته من الدنيا، وإلا فإنه يخففه، ويضبطه، فلا يخرج معه العبد إلى حد التسخط، والجزع المحرم، وبحسب كمال الإيمان يزول التحسر، والندم على الفائت من الدنيا، قال تعالى: "مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ {الحديد: 22ـ 23}".

فالآية لا تنفي وجود الحزن، أو الندم بالكلية، وإنما فيها النهي عما يضاد الصبر من ذلك، قال الزمخشري في الكشاف: إن قلت: فلا أحد يملك نفسه عند مضرة تنزل به، ولا عند منفعة ينالها، أن لا يحزن، ولا يفرح!.

وأوضح العلماء أن المراد الحزن المخرج إلى ما يذهل صاحبه عن الصبر، والتسليم لأمر الله، ورجاء ثواب الصابرين، والفرح المطغي الملهي عن الشكر، فأما الحزن الذي لا يكاد الإنسان يخلو منه، مع الاستسلام، والسرور بنعمة الله، والاعتداد بها، مع الشكر: فلا بأس بهما.

وعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم، الزهم في الدنيا عن شهواتها، والجري وراء ملذاتها الفانية، وأمرنا النبي بتوظيف هذا الزهد للآخرة، وتوظيف ذلك الزهد بأن نجعل الدنيا في أيدينا وليست في قلوبنا لعبادة الله، وعمارة الأرض، وتزكية النفس.

فالزهد ليس هو الفقر؛ فإن الزاهد يزهد من وجود؛ فلابد أولًا أن تكون الدنيا معه، أما الذي ليس معه شيء ففيم يزهد؟! هو أصلًا ليس معه شيء.

ويحكي العلماء، أن رجلًا ذهب يعتزل الناس معتقدًا أن العزلة، وترك الحياة الدنيا وعمارة الأرض سيمكنه الله من الخلو بنفسه، وذكر الله، والتدبر، والتأمل، ويكف شره عن الناس، ويكف عن نفسه شر الناس، فذهب إلى مكانٍ بعيد في الصحراء أو بجوار نهرٍ معزول وجلس يعبد الله سبحانه وتعالى كشأن العُبّاد في العصور الأولى التي كانت قبل الإسلام.

وكان هناك أحد التلاميذ له يتردد عليه، ويخدمه إذا كانت هناك خدمة يقوم بها؛ فقال له في مرة: أنت تنزل المدينة؟ قال: نعم، قال: هذا عنوان أخي في الله كنا سويًا في طلب العلم، وكنا سويًا في الحياة الدنيا إلى أن اعتزلت أنا هنا في ذلك الشِعْب من شعب الجبال فاذهب إليه، وسلم عليك، وقل له : إن أخاك فلان يُرسل إليك السلام، ويخصك بالتحية والإكرام، ويطلب منك الدعاء .

فعندما نزل الطالب المدينة، وذهب إلى العنوان المقصود فوجئ بأنه أمام قصر منيف وله حدائق غناء -ويدل على أن هذا الرجل إما أن يكون ملكًا، وإما أن يكون ثريًا، وإما أن يكون وجيهًا-. فسأل عنه، فقيل له إنه في عمل، ويأتي بعد قليل، فلما جاء الرجل جاء وهو يركب فرسًا، وحوله الحشم، والخدم، وهيئة عجيبة غريبة، دخل وأتى بالرجل، نعم أيها الضيف العزيز أكْرِموه.

قال: أنا أتيتك من أخيك فلان المعتزل في شِعب الجبل؛ ويرسل إليك السلام ويخصك بالتحية والإكرام، قال: بلغه مني السلام، وقل له: يا فلان أما آن لك أن تُخرج الدنيا من قلبك؟ فاغتاظ الطالب عن أي دنيا يتكلم؟! أستاذي الذي في شِعب الجبال الدنيا موجودة في قلبه، وهذا الرجل الذي في القصر المنيف وحوله الحشم والخدم.... وكذا إلى آخره، أين الدنيا وأين الآخرة إذن؟ فذهب في عادته فقال له شيخه: هل وصّلت الرسالة؟ قاله: نعم، ولكن أنا غير سعيد، وقال لي أُخبرك رسالة ولكنى لا أستطيع أن أقولها.

قال له: بل تقل، قال الطالب: يقول أما آن لك أن تُخرج الدنيا من قلبك؟ فبكى وقال: صدق.

قال الطالب بتعجب: صدق؟ قال له: والله يا بني وأنا أصيد السمكة خائف هل ستخرج أم لا، -متعلق بها-، وعندما أنام أخاف أن يأتي ثعبان أو عقرب يلدغني تلدعني أم لا، عندما أجوع أخاف أن تتأخر عليَّ بالأكل؛ فالدنيا في قلبي.

إذن فوجود الدنيا في القلب ليس بقلة الحيلة، ولا بقلتها في اليد بل هذا أمرٌ قلبي.

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمَنْكِبِى فَقَالَ « كُنْ فِى الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ».

اضافة تعليق