"طيب لا يقبل إلا طيبًا".. المال الحرام لا تذهب حرمته بالصدقة

الخميس، 14 فبراير 2019 02:34 م
طيب لا يقبل إلا طيبا




يقول الله تعالى : " فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا " [الكهف: 110]  وكما قال أيضا : " إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ " [فاطر: 10] .

يظن بعض الناس أن المال الحرام تذهب حرمته بالصدقة، وأعمال الخير، إلا أن الله حسم هذه المسألة، في كتابه تعالى، وأكد أن العمل الصالح المقبول على هذا النحو، لا بد له أولاً من طيب المأكل والمشرب والملبس شرطاً أساساً لقبول العبادة بشتى أنواعها.

وكان الصحابة يخشون على أنفسهم ألا يقبل الله منهم عملهم، ويتحرون هذه الآية ويضعونها نصب أعينهم هذه الآية : " إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ " [المائدة: 27] .

وربط القرآن والسنة النبوية، قبول سائر العبادات من دعاء وصلاة، وصيام، وزكاة، وحج، وصدقة، وغير ذلك من صالح الأعمال بتحري الحلال من الكسب والتعاطي.

ففي الدعاء، وهو مخ العبادة، يقول تعالى : " وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ " [البقرة:186] .

وإجابة الدعاء منوطة بأكل الحلال وترك الحرام وتوقي الشبهات ، فعن أبي هريرة رضى الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أيها الناس : إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين : فقال : " يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ "[المؤمنون: 51].

 

وقال : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ " [البقرة: 172] ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يا رب يا رب ! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك ؟» .

 فقد جمع الحديث بين القرآن والسنة في الأمر بالأكل من الطيبات، ورتب عدم قبول الدعاء على أكل الحرام، وذلك لأن استمداد مصدر القوة في الحركات والأنفاس قائم على الغذاء الحرام. ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : «فأنى يستجاب لذلك ؟» استفهام على سبيل التعجب والاستبعاد .

وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بخصوص المال : «يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه : أمن الحلال أم من الحرام ؟».

وقيل لسعد بن أبي وقاص رضى الله عنه : «تستجاب دعوتك من بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال : «ما رفعت إلى فمي لقمة إلا وأنا عالم من أين مجيئها ومن أين خرجت» .

ويقول بعض السلف : «لا تستبطئ الإجابة، وقد سددت طرقها بالمعاصي»  .



وقال مالك بن دينار : «أصاب بني إسرائيل بلاء، فخرجوا مخرجًا، فأوحى الله إلى نبيه أن أخبرهم : إنكم تخرجون إلى الصعيد بأبدان نجسة، وترفعون إليَّ أكفاً قد سفك بها الدماء وملأتم بها بيوتكم من الحرام، الآن اشتد غضبي عليكم، ولن تزدادوا مني إلا بعداً».

وعن ابن عمر رضى الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «خرج ثلاث يمشون فأصابهم المطر، فدخلوا في غار في جبل، فانحطت عليهم صخرة، قال : فقال بعضهم لبعض:  ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه، فقال أحدهم : اللهم إني كان لي أبوان، شيخان كبيران، فكنت أخرج فأرعى، ثم أجيء فأحلب فأجيء بالحِلاَب- بكسر الحاء وفتح اللام - فآتي به أبوي، فيشربان، ثم أسقي الصِّبية، وأهلي وامرأتي، فاحتبست ليلة، فجئت فإذا هما نائمان، قال : فكرهت أن أوقظهما، والصبية يتضاغون ( يصيحون بالبكاء) عند رجلي فلم يزل ذلك دأبي ودأبهما حتى طلع الفجر .

 اللهم إن كنتَ تعلم إني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرُج عنا فُرجة، نرى منه السماء. قال: ففُرِج عنهم .

وفي ذلك يقول الله تعالى : " وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا " [الطلاق: 4] .

والله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً. والحرام سواء أكان مالاً أم متاعاً أم غير ذلك، غير طيب، لأنه خبيث، ومن مصدر خبيث غير مشروع، فهو بالتالي غير مقبول .

فقال تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ " [البقرة: 267] .

كما قال تعالى : " لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ " [الأنفال: 37] .

و عن أبي هريرة رضى الله عنه : «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه، حتى تكون مثل الجبل».

و عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من جمع مالًا حرامًا ثم تصدق به، لم يكن له فيه أجر. وكان إصره عليه».

وكذلك الحج لا بد أن يكون من نفقة طيبة وكسب حلال، خاليًا من الفسوق، وهو شامل للمال الحرام، وذلك لكي يكون الحج مبرورًا مقبولًا .


و أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى حقيقة مهمة وهي : ( إن الله طيب ، لا يقبل إلا طيبا ) ، فبيّن أنه سبحانه وتعالى منزه عن كل نقص وعيب ، فهو الطيب الطاهر المقدس ، المتصف بصفات الكمال ، ونعوت الجمال ، ومادام كذلك ، فإنه : ( لا يقبل إلا طيبا )، فهو سبحانه إنما يقبل من الأعمال ما كان طيبا ، خالصا من شوائب الشرك والرياء ، كما قال سبحانه في محكم كتابه : { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } ( الكهف : 110 ) ، كما أنّه تعالى لا يقبل من الأموال إلا ما كان طيبا ، من كسب حلال ، لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في معرض ذكر الصدقة : ( من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ، ولا يقبل الله إلا الطيب ، فإن الله يقبلها بيمينه...) الحديث ، وهو سبحانه أيضا لا يقبل من الأقوال إلا الطيب ، كما قال تعالى : { إليه يصعد الكلم الطيب } ( فاطر : 10 ) .

فيجب على العبد أن ينأى بنفسه عن كل ما حرّمه الله تعالى عليه من مطعوم أو مشروب أو ملبوس ، لأن الحرام سيورده موارد الهلاك ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك : ( لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به ) .

وضرب لنا النبي صلى الله عليه وسلم مثلا عظيما ، لرجل قد أتى بأسباب إجابة الدعاء ، غير أنه لم يكن يتحرّى الحلال الطيب فيما يتناوله ، فهذا الرجل :

أولا : ( يطيل السفر ) ، والسفر بمجرّده يقتضي إجابة الدعاء ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن : دعوة المسافر ) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة ، والمسافر يحصل له في الغالب انكسار نفس نتيجة المشاق التي تعتريه في سفره ، وهذا يجعله أقرب لإجابة دعائه .

ثانيا : ( أشعث أغبر ) ، وهذا يدل على تذلّله وافتقاره ، بحصول التبذّل في هيئته وملابسه ، ومن كانت هذه حاله كان أدعى للإجابة ؛ إذ إن فيه معنى الخضوع لله تعالى ، والحاجة إليه .

ثالثا : ( يمد يديه إلى السماء ) ، والله سبحانه وتعالى كريم لا يرد من سأله ، روى الإمام أحمد وغيره ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله حيي كريم ، يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرا خائبتين ) .

رابعا : ما ورد من إلحاحه في الدعاء : ( يا رب ، يا رب ) ، وهذا من أعظم أسباب إجابة الدعاء ؛ ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يكرر ما يدعوا به ثلاثا .



فهذه أربعة أسباب لإجابة الدعاء ، قد أتى بها كلها ؛ ولكنه أتى بمانع واحد فهدم هذه الأسباب الأربعة ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( فأنّى يُستجاب له ؟ ) ، وهذا الاستفهام واقع على وجه التعجب والاستبعاد ، لمن كانت هذه حاله .



اضافة تعليق