"بئس أخو العشيرة".. كيف كان النبي يداري الناس؟

الخميس، 14 فبراير 2019 10:52 ص
«بئس أخو العشيرة»..كيف كان النبي يداري الناس


كان النبي صلى الله عليه وسلم من أكمل الناس حسًا ومعنى، لا يجالسه أحد وينهي حديثه، إلا كان جليسه، هو الذي ينهي، وكان من يجالسه يشعر أنه أحب الناس إليه، يكرم البعيد والقريب، ويعرف للناس مكانتهم ودرهم، وفوق ذلك كله فكان لا يحجب خلقه عن أحد، ولكن كان أيضًا يحذر الناس ويداريهم.

روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: جاء مخرق بن نوفل- من سادات قريش-  يستأذن، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته قال: «ائذنوا له، بئس أخو العشيرة، فلما دخل عليه ألان له القول وأطلق وجهه، وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل، قلت: يا رسول الله، حين رأيت الرجل قلت: كذا وكذا، فلما دخل ألنت له القول، وتطلقت في وجهه، وانبسطت إليه، فقال صلى الله عليه وسلم: «متى عهدتني فاحشًا إن شر الناس عند الله تعالى منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه».

وروى ابن الأعرابي عن صفوان بن أمية رضي الله تعالى عنه قال: والله لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي، وأعطى حكيم بن حزام مائة من الغنم، وأعطى عيينة بن حصن مائة من الإبل، وأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل.

وعن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل أمرني بمداراة الناس، كما أمرني بالفرائض».

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبر الناس على أقذار الناس.

وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: «كنا قعودًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فإذا قام قمنا، فقام يومًا، وقمنا معه، حتى بلغ وسط المسجد فأدركنا رجل، فجبذ بردائه من ورائه، وكان رداؤه خشنًا، فحمر رقبته، فقال: يا محمد احمل لي على بعيري هذين».

 وقد قيل إن هذا الرجل: هو عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، وكان يقال له: الأحمق المطاع.

وهذا الحديث «بئس أخو العشيرة» الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في كيفية مداراة الناس قد جمع علمًا، وأدبًا، وليس قوله صلى الله عليه وسلم لأمته في الأمور التي ينصحهم بها، ويضيفها إليهم من المكروه غيبة، وإنما يكون ذلك من بعضهم في بعض.

بل الواجب عليه صلى الله عليه وسلم أن يبين ذلك، ويفصح به، ويعرف الناس أمرهم، فإن ذلك من باب النصيحة، والشفقة على الأمة، لكنه لما جبل عليه من الكرم، وأعطي من حسن الخلق، أظهر له البشاشة ولم يواجهه بالمكروه ليفتدي به أمته في اتقاء شر من هذا سبيله، وفي مداراته، ليسلموا من شره وغائلته.

وقال القرطبي: في هذا الحديث جواز غيبة المعلن بالفسق، أو بالفحش، ونحو ذلك مع جواز مداراته اتقاء شره، ما لم يؤد ذلك إلى المداهنة في دين الله تعالى.

كما أن هناك فرقًا بين المداراة والمداهنة، فإن المداراة بذل الدنيا، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما بذل له من دنياه، ومع ذلك فلم يمدحه بقول يناقض قوله فيه فعله، فإن قوله فيه حق، وفعله معه حسن معاشرته.

اضافة تعليق