رسول الله إمام الزاهدين ..هذا بيته وطعامه وفراشه

الإثنين، 11 فبراير 2019 08:42 م
بيت الرسول

الزهد في الدنيا وإدراك حقيقتها الفانية وأن كل ما فيها من ملذات ونعيم هي إلى زوال، وأنها
معبر وممر وليست مقر هو دأب الصالحين الذين ترنو قلوبهم وأعينهم إلى دار الخلد والنعيم
المقيم في الآخرة .
وقد  كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أزهد النَّاس في الدنيا ، وكان زهده اختيارياً ، فلو شاء
لجعل الله له الجبال ذهباً ، وقد فتح الله تعالى له البلاد ، وجعل له خمس الغنائم حقاً له ، وكان له
نصف مزارع خيبر ، ورغم ذلك كان يتصدق بكل ما يأتيه من الأموال ، ويبقى ينام على
الأرض ، ولا يجد شيئاً يأكله .
كان بيتُه مبنيًّا من طين, وسقفُه جذوعُ النخل, طوله أربعة أمتار تقريباً, وعرضه كذلك, وبجانب البيت: فناءٌ مسَوَّرٌ بسَعَفِ النخيل, طوله ثلاثةُ أمتار, وعرضه أربعة أمتار فقط, وهذا الفناءُ الصغير له بابان: الباب الأول يَخْرُجُ منه إلى المسجد, والباب الآخر يَخْرُجُ منه إلى الشارع.
وأما ارتفاعه فهو قصيرٌ جدّا, حتى إنَّ الواقف يستطيع أنْ يلمسه بيده, يقول الْحَسَنُ البصريُّ -رحمه الله-: "كُنْتُ أَدْخُلُ بُيُوتَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، فَأَتَنَاوَلُ سُقُفَهَا بِيَدِي" رواه البخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني.
كان بيتُه صغيراً مُتواضعاً, تقولُ عَائِشَة -رضي الله عنها-: "كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-, وَرِجْلاَيَ فِي قِبْلَتِهِ, فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي، فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا" متفق عليه.
هذا البيت الصغير, لا يُوجد فيه الأرففُ الْمُمتلئة بالزخارف, ولا الفرشُ الْمُنَعَّمة, ولا الأطعمةُ الْمُنوَّعة, ولا الْمُكيفاتُ ووسائلُ الراحة.
لم يُوجَدْ في بيته -صلى الله عليه وسلم- مكانٌ للطبخ، وكان يمر شهران كاملان لا يوقد في بيته نارٌ قط, وكان يعيش هو وزوجاتُه -رضي الله عنهن- الشهرَ والشهرين على الماءِ والتمرِ فقط.
 قالت أم المؤمنين عَائِشَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-: "إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الهِلاَلِ، ثُمَّ الهِلاَلِ، ثَلاَثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- نَارٌ"، فَقيل لها: مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتْ: "الأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالمَاءُ" متفق عليه.
 ولم يكن يجد -صلى الله عليه وسلم- التمرَ في كلِّ أوقاتهم، بل كان يمضي عليه اليومُ واليومان, وهو لا يجد من الدَّقَلِ ما يملأ به بطنه, والدَّقَل: هو الرديء من التمر.
ويقول عُمَر بن الخطاب -رضي الله عنه-: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-, يَلْتَوِي مَا يَجِدُ مَا يَمْلَأُ بِهِ بَطْنَهُ مِنَ الدَّقَلِ. رواه أحمد وحسّنه محققو السند.
 ولم يَر رسـولُ الله -صلى الله عليه وسلم- الخبزَ الأبيضَ النقيَّ قط، يقول سَهْلُ بْن سَعْدٍ -رضي الله عنه-: "مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الخبز النَّقِيَّ، مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ". رواه البخاري.
ومع ذلك فإنه -صلى الله عليه وسلم-, لم يشبع من خبز الشعير هذا يومين متتالين, حتى لقي الله عز وجل!.
 وقالت عائشةُ -رضي الله عنها-: "مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم-، مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ" رواه مسلم.
 وكانت تمر الأيام على بيوت النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-, ولا يَجِدون ما يأكلونه, لا تمراً ولا شعيراً سوى الماء.
 جاء رَجُلٌ ذات مرَّةٍ إلى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَابَنِي الجَهْدُ، فَأَرْسَلَ إِلَى نِسَائِهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُنَّ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "أَلاَ رَجُلٌ يُضَيِّفُهُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ يَرْحَمُهُ اللَّهُ؟"، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَانْطَلَقَ بِهِ وأطعمه. رواه البخاري.
مَرَّ أَبو هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- بِقَوْمٍ, وبَيْنَ أَيْدِيهِمْ شَاةٌ مشويَّة، فَدَعَوْهُ لأكل الطعام، فتذكر ما كان عليه نبيُّه وحبيبه -صلى الله عليه وسلم-, من الجوع وقلَّة الطعام, فَتأثَّر حينها, وأَبَى أَنْ يَأْكُلَ وَقَالَ: "خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنَ الدُّنْيَا, وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ" رواه البخاري.
 أما عن فراشه ومنامه, فكان لا ينام على الفرش اللينة, بل إنه ينام على فراشٍ يتأثر منها جنبُه, دَخَلَ عَلَيْه عُمَرُ -رضي الله عنه- ذات يوم، وَهُوَ عَلَى حَصِيرٍ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَوِ اتَّخَذْتَ فِرَاشًا أَوْثَرَ مِنْ هَذَا؟ فَقَالَ: "مَا لِي وَلِلدُّنْيَا؟ مَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا، إِلا كَرَاكِبٍ سَارَ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، فَاسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا" رواه الأمام أحمد, وصححه الألباني.

اضافة تعليق