حتى لا يعم الفساد وتذهب عنك النصرة.. لا تظلم نفسك بالركون إلى هؤلاء

الإثنين، 11 فبراير 2019 08:58 ص
حتى لا يعم الفساد وتذهب عنك النصرة


في تعاملتنا اليومية، نتعرض لأنماط كثيرة من الناس، بعضهم من أصحاب المواهب العليا في تسويق مبادئه ومواقفه، وسحر تعبيره وقوّة تأثيره، وبعضهم من أصحاب القوة والبطش.

لذلك لا بدّ من حدّ فاصل بين الحقّ والباطل يحقّق للحقّ الحصانة، التي تحميه من كيد الباطل، ومن الظلم والطغيان، فكانت أهم حصانة هي الحذر من الركون إليه، بأية صورة من الصور.

وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى في سورة هود: "وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ" (113).

وتستوقف هذه الآية، بعض النّاس التي تُعمّر بنيان الاستبداد وتسترضي الظلم ولا تنفر منه، وتتواجد في مختلف الفئات الاجتماعية باختلاف مستواها العلميّ أو ميلها الفكريّ وهي (فئة الراكنين إلى الظلمة).

وفي تفسيرهم لقوله تعالى: "وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا"، يقول المفسرون إنهذا "نهي لم يتكرر في القرآن الكريم، وتفرّدت به هذه الآية من سورة هود التي اشتملت على قصص سبعة أقوام يجمعهم وصفهم بالظلم والطغيان في أكثر من موضع في كتاب الله تعالى، وقد جاء النّهي عن الركون إلى الذين ظلموا في خواتيم سورة هود بعد استعراض كافّة مشاهد الظلم والطغيان في السورة باختلاف تركيبة السلطة وهيكلية الاستبداد المتعلقة بكل قوم".


وقال المفسرون أن فعل "تركنوا" لا تخرج عن أفعال قلبية وأفعال جارحة، أمّا القلبيّة منها فكانت بالميل والمحبة والرضا، وأما الجارحة فكانت بالسكون، والاشتراك بتزيين الظلم، والمداهنة للظالمين من زيارة ومصاحبة ومجالسة والحديث عنهم بالفضل، والاعتماد عليهم.

لذلك يقول الله تعالى: "فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (113) وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115)".

وأوضح المفسرون، أن الله جعل فعل النّهي عن الطغيان في عمومه في صيغة الجمع، والنّهي عن الركون إلى الذين ظلموا جاء في صيغة الجمع لا المفرد، في حين فعل الأمر بالاستقامة وإقامة الصلاة والصبر جاء مفردًا، وذاك لأنه من رقي الخطاب القرآني ومراعاة مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم والتلّطف الرباني بقلبه عليه الصلاة والسلام ألّا يوجّه إليه نهيّ مباشر في قضية الطغيان والركون إلى الذين ظلموا.

وأضافوا أن الركون إلى الذين ظلموا ضرره على مستوى المجتمع والدولة وليس ضرر فردي، وتكمن شدة خطورة الركون إلى الذين ظلموا عندما يُمارس بشكل جماعي من خنوع عام في الرعيّة للظالم، فناسب النّهي أن يكون بصيغة الجمع، أمّا الأمر الثالث: مما يدلّ على خطورة الركون إلى الذين ظلموا أنّ النّهي عن هذا الركون سَبق الأمر بإقامة الصلاة، و أنّ الأمر بالاستقامة تبعه النّهي عن الطغيان وعُطف عليه النهي عن الركون إلى ” الذين ظلموا “، فأينما وُجد الطغيان في أيّ مجتمع وُجدت فئة الراكنين إلى الذين ظلموا، التي لا يمكن أن يتحقق فيها الاستقامة الصحيحة بهذا الركون.

وهو ما يتضح في آية أخرى في قوله تعالى: "فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ".

فالأمم التي يظلم فيها الظالمون، ويفسد فيها المفسدون، فلا ينهض من يدفع الظلم والفساد، أو يكون فيها من يستنكر، ولكنه لا يبلغ أن يؤثر في الواقع الفاسد، فإن سنة الله تحقّ عليها، إما بهلاك الاستئصال. وإما بهلاك الانحلال والاختلال.

لذلك جعل الله سبحانه وتعالى جزاء مجرد الركون إلى الذين ظلموا هو "فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ".

وفيه إشارة إلى أن الظلمة أهل النار، أو كالنار، ومصاحبة النار توجب لا محالة مسّ النار.

ولا يخفى أن الظلم ليس على درجة واحدة، بل هو أنواع ودرجات فأدنى أنواعه ظلم الإنسان نفسه بالمعاصي والذنوب، التي لا يتعدّى أثرها المباشر إلى غيره، وأعلى منه ظلم الإنسان للآخرين بالاعتداء على أموالهم أو أعراضهم أو أنفسهم، وأعلى منهما أن يكون الإنسان داعيًا إلى الظلم والإفساد في الأرض، متّخذًا لذلك عصبة وأعوانًا، وحزبًا وأنصارًا، فلا يقف شرّه وإفساده عند عدد محدود من الناس، وإنّما ينتشر ويسعى فيه سعياً ، بكلّ ما أوتي من قوّة أو حيلة.

اضافة تعليق