"المشردون في الأرض".. رحمات الله يأنف منها الأغنياء ويستعلي عليها الأصحاء

الأحد، 10 فبراير 2019 11:36 ص
المشردون في الأرض


تنتشر الكثير من المبادرات على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تطالب بإيواء المشردين في الشوارع والعطف على المساكين والأطفال الذين بلا أسر تحميهم، إلا أنه مازال هناك حاجز بين الناس وبين هؤلاء المشردين، نتيجة هيئة ملابسهم التي تجعل من الناس من يأنف منهم ولا يقترب لمساعدتهم، رغم حاجتهم الملحة عن غيرهم لتقديم العون.

ولا يلتفت الناس إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "رب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره"، فيكشف النبي أن هناك بعض الناس ربما لا يكترث بهؤلاء المشردين أو الفقراء، رغم أن بينهم من يبر الله عز وجل قسمه.

ويحرص الإسلام دين الرحمة، أن يوجه الناس إلى حب الفقراء والمساكين، فأوصى النبي صلى الله عليه وسلم الصحابي أبو ذر الغفاري وقال له بعد أن ذكر له جملة وصايا: "أَحِبَّ المَساكينَ وجالِسْهُم ولا تَنْظُرْ إلى من هوَ فَوْقَكَ وانْظُر إلى من هوَ دُونَك".

وقد خلق الله سبحانه وتعالى الناس متفاوتين في الرزق وفي المكانة الاجتماعية، وهذه سنة الكون، ولكن في نفس الوقت وصى الغني على الفقير، ووصى ذوي الجاه على من ليس له جاه، فوصانا النبي صلى الله عليه وسلم أن نضع المساكين في حسباننا، وأن نحبهم، وندنو منهم، ونتفقدَ أحوالهم، ونسعى في قضاء حاجاتهم، ومراعاة مصالحهم، تخفيفا عليهم من وطأة الفقر، فمحبة المساكين والفقراء ومجالستهم واستشعار ما هم فيه من العناء لها أثرها في قلب المؤمن عظيم.

 وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من أحب للَّه، وأبغض للَّه، وأعطى للَّه، ومنع للَّه، فقد استكمل الإيمان"، والحب في الله جزء منه محبة المساكين والذي يجعلنا نتذوق حلاوة الإيمان قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان"، ومنها: " وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله".


وبهذا وصى النبي صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها فقال لها: "يا عائشة أحبِّي المساكين، وقرّبيهم، فإن اللَّه يقربك يوم القيامة".

وجعل الله من المساكين والفقراء سببا لرزق الأغنياء، وبالضعفاء ينصر الأقوياء، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم".

وعن سعد بن أبي وقاص، قال: كنَّا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر، فقال المشركون: اطرد هؤلاء، لا يجترئون علينا؛ يعنون أن هؤلاء الضعفاء الذين تجالسهم وتدنيهم لا نحب أن نجلس معهم، فتجعل لنا مجلسًا وحدنا خاصًّا معك، فوقع في نفس النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك ما وقع لحِرْصه على هدايتهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: 52] الآية.

والله سبحانه وتعالى لا ينظر إلى الصوَر، وحُسْن الأجْسام والأموال، إنما ينظُر إلى القُلُوب والأعمال، كما ورد بذلك الحديث الصحيح، ولهذا قال هرَقل عظيم الروم لأبي سفيان: مَن يتبع هذا النبي: أهُم الرؤساء أم الضعفاء؟ فقال أبو سفيان: بل الضعفاء، فقال هرقل: هكذا أتْباع الرسل.

ونوَّه الله سبحانه وتعالى  بذِكْر ضعفاء المسلمين ورفَع ذِكْرهم، وأعلى مقامهم، وأمَر العباد وحضَّهم على إيصال الخيْر والإحسان إليهم، وحثَّهم ورغَّبهم وَوَعَدَهُم على ذلك بالثواب الجزيل؛ قال تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]، وقال تعالى: ﴿وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء: 26].

وعن عبدالله بن عمرو بن العاص أنَّ رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: ((الراحمون يرْحمهم الرحمن، ارْحموا مَن في الأرض يرحمكم مَن في السماء)).

ورُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مَن لا يرحم مَن في الأرض لَم يرحَمْه من في السماء)).

وفي حديث قال الصحابة هل لنا يا رسول الله في البهائم أجْر؟ فقال النبي  صلى الله عليه وسلم:((نعم في كلِّ كبد رطبة حسنة)).

وفي الحديث أن مرأة بغي غفر الله لها بسبب الكلْب الذي رأتْه يلهث ويأكل التُّراب منَ العطش، وأفرخة الحُمَّرة التي أخذها بعض الصحابة فجاءتْ أمها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ترفرف أمامه حتى قال: ((مَن فجع هذه بأفراخها؟))، حتى ردها إليها  صلى الله عليه وسلم، فما بالنا من يعين إنسانا مشردا في الشارع أو يأوي طفلا يتيما بلا مأوى.

وقال بعض السلَف: كُن لليتيم كالأب، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: 9]، والنهي للنبي صلى الله عليه وسلم نَهْي لأمته، قال بعض المفسرين على هذه الآية: أي لا تسئ معاملة اليتيم، ولا يضقْ صدرُك عليه ولا تنهره، بل أكرمه، وأعطه ما تيسر، واصنع به كما تحب أن يُصنع بولدك من بعدك، وقال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون: 1 - 3] .

ومِنْ رَحْمة الله تعالى بالأيتام ولُطفه ورأفته بهم، أن جعل لهم نصيبًا من الفيء والغنيمة، ومن النفقات الواجبة على المسلمين والمستحبة؛ ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [البقرة: 215].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ((من مسح رأس يتيم فله بكل شعرة تمرّ عليها يده حسنة))

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((الساعي على الأرملة والمسكين كالمُجاهد في سبيل الله))، وأحسبه قال: ((وكالقائم الذي لا يفتر، وكالصائم الذي لا يفطر))؛ متفق عليه.

وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((ابْغُوني في ضُعفائكم، فإنما تنصرون وتُرزقون بضعفائكم).

ذلك لأنَّ أسباب النَّصر والرِّزق والدِّفاع عن المسلمين وحُصُول البَرَكة والاطمئنان يحصل بسبب ضعفاء المسلمين، والعطف عليهم، ورحمتهم، والإحسان إليهم.

فالشفَقة والرأفة والرحمة على المشردين من عباد الله وضعفاءَ المسلمين؛ من يتيم، ومسكين، وأرملة لها أثرٌ عند الله عظيم، ولها موقع في الحسنات ودفع السيئات، وتنزُّل الرحمة، ودفع النقمة، ولها أثر كبير في حسن الخاتمة عند الموت، وتنزل الملائكة بالبشرى والأمن من المخاوف، ودفع الحزن عما خلف؛ قال تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: 30]، وقال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: 60].

كان النبي صلى الله عليه وسلم يتفَقَّد ضعفاء المسلمين؛ منَ الفُقَراء والمساكين، والأرامل، ويجالسهم، ويدنيهم إليه، ويحادثهم، ويسأل عنهم، ويصلهم بما يستطيعه من الإطعام وجَمْع النفقات.

ويقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: 22].


اضافة تعليق