كيف كانت "أحد" نقطة تحول في استجلاب النصر وتنقية الصفوف؟

الجمعة، 08 فبراير 2019 10:32 ص
كيف كانت



حينما هزم المسلمون في غزوة أحد، دون أن يتحقق النصر للمشركين، لم يرض النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الهزيمة، وبات يفكر في الموقف، وخشي من أن يشجع ذلك المشركين على معاودة الهجوم على المدينة، خاصة وأنه لم يحققوا انتصارًا كاملاً لهم في ساحة القتال، فصمم على أن يقوم بعملية مطاردة لجيش المشركين.


ونادى النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه، وندبهم إلى المسير إلى لقاء العدو صباح الغد من معركة أحد، الموافق يوم الأحد الثامن من شهر شوال سنة 3 هـ ـ وقال:‏ "‏لا يخرج معنا إلا من شهد القتال:"‏، فقال له عبد الله بن أبي‏ :‏ أركب معك ‏؟‏ قال‏:‏ ‏"لا"‏، واستجاب له المسلمون على ما بهم من الجرح الشديد، والخوف المزيد، وقالوا‏:‏ سمعًا وطاعة‏.


واستأذنه جابر بن عبد الله، وقال‏:‏ يا رسول الله ، إني أحب ألا تشهد مشهدًا إلا كنت معك، وإنما خلفني أبي على بناته فأذن لي أسير معك، فأذن له.‏

وسار النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه حتى بلغوا "حمراء الأسد"، على بعد ثمانية أميال من المدينة، فعسكروا هناك. ‏



غير أن أبا سفيان قام بحرب أعصاب دعائية ضد جيش المسلمين لعله ينجح في كف هذا الجيش عن مواصلة المطاردة، ‏فقد مر به ركب من عبد القيس يريد المدينة، فقال‏:‏ هل أنتم مبلغون عني محمداً رسالة ، وأوقر لكم راحلتكم هذه زبيبًا بعكاظ إذا أتيتم إلى مكة؟، قالوا‏:‏ نعم. ‏‏

قا‏ :‏ فأبلغوا محمدًا أنا قد أجمعنا الكرة، لنستأصله ونستأصل أصحابه‏.‏

فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهم بـ "حمراء الأسد"، فأخبرهم بالذي قال له أبو سفيان، وقالوا‏ :‏ ‏"إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ‏ ‏إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ‏ "‏‏[‏آل عمران‏:‏ 173، 174‏]‏‏.‏


وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد الإثنين والثلاثاء والأربعاء ـ 9، 10، 11 شوال سنة 3 هـ ـ ثم رجع إلى المدينة، وأخذ قبل الرجوع إلى المدينة أبا عَزَّة الجمحي ـ وهو الذي كان قد منّ عليه من أسارى بدر، لفقره وكثرة بناته، على ألا يظاهر عليه أحدًا.

لكنه نكث وغدر، فحرض الناس بشعره على النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وخرج لمقاتلتهم في "أحد"، فلما أخذه النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ يا محمد أقلني، وامنن علي، ودعني لبناتي، وأعطيك عهدًا ألا أعود لمثل ما فعلت، فقال صلى الله عليه وسلم:‏ ‏"‏لا تمسح عارضيك بمكة بعدها وتقول‏:‏ خدعت محمدًا مرتين، لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين‏"‏، ثم أمر الزبير أو عاصم بن ثابت فضرب عنقه‏.‏


كما حكم بالإعدام في جاسوس من جواسيس مكة، وهو معاوية بن المغيرة بن أبي العاص جد عبد الملك بن مروان لأمه، وذلك أنه لما رجع المشركون يوم أحد جاء معاوية هذا إلى ابن عمه عثمان بن عفان رضي الله عنه فاستأمن له عثمان النبي صلى الله عليه وسلم، فأمنه على أنه إن وجد بعد ثلاث قتله‏ .‏ فلما خلت المدينة من الجيش الإسلامي أقام فيها أكثر من ثلاث يتجسس لحساب قريش، فلما رجع الجيش خرج معاوية هاربًا، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وعمار بن ياسر، فتعقباه حتى قتلاه‏.‏


وكانت غزوة "حمراء الأسد" ‏حربًا غير منفصلة، أخذ كل فريق بقسطه ونصيبه من النجاح والخسارة ، ثم حاد كل منها عن القتال من غير أن يفر عن ساحة القتال ويترك مقره لاحتلال العدو.

وإلى هذا يشير قوله تعإلى‏:‏ ‏ ‏وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ‏"‏ ‏[‏النساء‏:‏ 104‏]‏، فقد شبه أحد العسكرين بالآخر في التألم وإيقاع الألم، مما يفيد أن الموقفين كانا متماثلين ، وأن الفريقين رجعا وكل غير غالب‏.‏



ونزل القرآن يلقي ضوءًا على جميع المراحل المهمة من هذه المعركة مرحلة مرحلة، وصرح بالأسباب التي أدت إلى هذه الخسارة الفادحة، وأبدى النواحي الضعيفة التي لم تزل موجودة في طوائف أهل الإيمان بالنسبة إلى واجبهم في مثل هذه المواقف الحاسمة، وبالنسبة إلى الأهداف النبيلة السامية التي أنشئت للحصول عليها هذه الأمة ، والتي تمتاز عن غيرها بكونها خير أمة أخرجت للناس.


كما تحدث القرآن عن موقف المنافقين، ففضحهم وأبدى ما كان في باطنهم من العداوة لله ولرسوله، مع إزالة الشبهات والوساوس التي كانت تختلج في قلوب ضعفاء المسلمين، والتي كان يثيرها هؤلاء المنافقون وإخوانهم اليهود وقد أشار إلى الحكم والغايات المحمودة التي تمخضت عنها هذه المعركة.‏


ونزلت حول موضوع المعركة ستون آية من سورة آل عمران تبتدئ بذكر أول مرحلة من مراحل المعركة‏:‏ ‏"‏وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ‏ "‏ ‏[‏ آل عمران‏:‏ 121 ‏]‏، وتترك في نهايتها تعليقاً جامعاً على نتائج هذه المعركة وحكمتها.

قال تعالى‏:‏ " ‏مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ‏ "‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 179‏] ‏‏.‏



وقال ابن حجر‏: ‏"كان في قصة أحد وما أصيب به المسلمون فيها من الفوائد والحكم الربانية أشياء عظيمة، منها تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية، وشؤم ارتكاب النهي، لما وقع من ترك الرماة موقفهم الذي أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم ألا يبرحوا منه‏.

ومنها أن عادة الرسل أن تبتلي وتكون لها العاقبة، والحكمة في ذلك أنهم لو انتصروا دائماً دخل في المؤمنين من ليس منهم، ولم يتميز الصادق من غيره، ولو انكسروا دائمًا لم يحصل المقصود من البعثة، فاقتضت الحكمة الجمع بين الأمرين لتمييز الصادق من الكاذب، وذلك أن نفاق المنافقين كان مخفياً عن المسلمين، فلما جرت هذه القصة، وأظهر أهل النفاق ما أظهروه من الفعل والقول عاد التلويح تصريحًا، وعرف المسلمون أن لهم عدواً في دورهم، فاستعدوا لهم وتحرزوا منهم. ‏‏


كما أن في تأخير النصر في بعض المواطن هضـمًا للنفس، وكسرًا لشـماختها، فلما ابتلي المؤمنـون صـبروا، وجـزع المنافقون‏، ومنها أن الله هيأ لعباده المؤمنين منازل فى دار كرامته لا تبلغها أعمالهم، فقيض لهم أسباب الابتلاء والمحن ليصلوا إليها‏ وأن الشهادة من أعلى مراتب الأولياء فساقها إليهم‏، ومنها أنه أراد إهلاك أعدائه، فقيض لهم الأسباب التى يستوجبون بها ذلك من كفرهم وبغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه، فمحص بذلك ذنوب المؤمنين ، ومحق بذلك الكافرين.‏

اضافة تعليق