الشيخ كامل البهتيمي.. أحد أمراء دولة التلاوة

الأربعاء، 06 فبراير 2019 10:28 ص
hqdefault

ألحقه أبوه الذي كان من قراء القرآن بكتاب القرية وعمره ستة سنوات، وأتم حفظ القرآن قبل بلوغ العاشرة من عمره، كان يذهب إلى مسجد القرية بعزبة "إبراهيم بك" ببهتيم بالقليوبية، ليقرأ القرآن قبل صلاة العصر، دون أن يأذن له أحد بذلك، وكانت ثقته بنفسه كبيرة، فكان يطلب من مؤذن المسجد أن يسمح له برفع الآذان بدلاً منه.

وعندما رفض مؤذن المسجد، ظل الطفل محمد زكي يوسف الشهير بـ "كامل البهتيمي"، يقرأ القرآن بالمسجد وبصوت مرتفع ليجذب انتباه المصلين، فكان له ما أراد، إذ أن حلاوة صوته أخذت تجذب الانتباه، فبدأ المصلون يلتفون حوله بعد الصلاة يستمعون إلى القرآن بصوته مبهورين به، وبدأوا يسألون عنه وعن أهله فعرفوه وألفوه.

أول أجر تقاضاه الشيخ المولود في عام 1922 كان 25 قرشًا ببلدته بهتيم ووضع هذا المبلغ على مخدة أمه، قائلاً لها: "أصبري يا أماه بكرة ربنا حيفتحها علينا"، فكانت أمه تفرح بهذا الكلام كثيرًا وتدعو له فكان له ما سعى إليه بفضل الله تعالى.

زاد معجبوه في هذه السن الصغيرة، فسمح له مؤذن المسجد أن يرفع الآذان مكانه تشجيعًا له، وأذن له بتلاوة القرآن بصفة دائمة قبل صلاة العصر فصار صيت الصبي "كامل البهتيمي" يملأ ربوع القرى المجاورة وأخذ الناس يدعونه لأحياء حفلاتهم وسهراتهم.

كان أبوه يرافقه وظل على هذا الحال مدة طويلة، حتى استقل عن أبيه وأصبح قارىء معروفًا بالبلدة، وكذلك قارئًا للسورة يوم الجمعة بمسجد القرية، وكان أهل القرية يعتبرون ذلك اليوم عيدًا لأنهم سيستمتعون بصوت ذلك الصبي، وظل كذلك حتى أوائل الخمسينيات والتي شهدت شهرة الشيخ كامل يوسف البهتيمي.

تتلمذ الشيخ البهتيمي على يد الشيخ محمد الصيفي الذي عندما علم بعذوبة صوته توجه إلى مسقط رأسه بـ "بهتيم"، واستمع إلى تلاوته دون علمه، فأعجب به وطلب منه أن ينزل ضيفًا عليه في القاهرة فاصطحبه ونزل ضيفًا عليه في بيته بحي العباسية، فمهد له طريق الشهرة، وجعل بطانته له في الحفلات والسهرات وقدمه للناس على أنه اكتشافه.

وبعد فترة وجيزة، بدأت الناس تعرفه، فأصبح يدعى بمفرده لإحياء الحفلات والسهرات، فكان ذلك يسعد الشيخ محمد الصيفي، وأخذ يشجعه من زاد من ثقته حتى ذاع صيته في أحياء وضواحي القاهرة.

وأصبح قارىء له مدرسة وأسلوبه في الآداء وأفاض الله عليه من الخير الكثير والمال الوفير، فاشترى قطعة أرض بشارع نجيب بحي العباسية، أقام عليه عمارة كبيرة، واستأذن من الشيخ الصيفي أن يستقل بحياته شاكرًا له حسن ضيافته وكريم صنيعه وما قدمه له من عون طوال فترة إقامته بالقاهرة حتى استطاع أن يثبت جدارته وأهليته لقراءة القرآن وسط كوكبة من مشاهير وعظام القراء بالقاهرة.

لم يلتحق الشيخ بأي معهد من معاهد القرآن وتعليم القراءات، بل لم يدخل أي مدرسة لتعليم العلوم العادية، لكن بالممارسة والخبرة والاستماع الجيد إلى القراء مثل المشايخ محمد رفعت ومحمد سلامة والصيفي وعلى حزين تعلم أحكام التلاوة دون أن يشعر هو بذلك.

في عام 1953، عرض عليه الشيخ محمد الصيفي أن يتقدم بطلب للإذاعة لعقد امتحان له أمام لجنة اختبار القراء، إلا أنه رفض خشية أن يتم إحراجه لعدم إلمامه بعلوم وأحكام القرآن وعلوم التجويد، وأنه لم يدرس بأي معهد للقراءات، لكن الشيخ الصيفي والشيخ علي حزين أقنعاه بضرورة التقدم للامتحان وأن موهبة تفوق كثيرين تعلموا بمعاهد القراءات، فقهر ذلك الكلام خوفه وفك عقدته وتقدم للامتحان ونجح بامتياز.

تعاقدت معه الإذاعة المصرية في أول نوفمبر عام 1953 وتم تحديد مبلغ أربعة جنيهات شهريًا مقابل التسجيلات التي يقوم بتسجيلها وتم تعيينه بعد ذلك قارىء للسورة يوم الجمعة بمسجد عمر مكرم بميدان التحرير بالقاهرة، وظل به حتى وفاته.

 كان الشيخ البهتيمي محبوبًا من أعضاء مجلس قيادة الثورة، وكان الرئيس عبدالناصر يحبه حبًا شديدًا، ويطلبه لرئاسة الجمهورية لأحياء معظم الحفلات التي تقام بمقر الرئاسة.

في عام 1967، حدث أن كان مدعوًا لإحياء مأتم ببورسعيد، وفؤجى الحاضرون بعدم قدرته على مواصلة القراءة بل وعجزه عن النطق، وقد شعر بأن شيئًا يقف في حلقه فثقل لسانه، وبعد تلك الحادثة بأسبوع واحد أصيب بشلل نصفي فتم علاجه واسترد عافيته، وقد قيل لأسرته أنها كانت محاولة لقتله بعد أن وضع له مجهول مواد مخدرة في فنجان قهوة كان قد تناوله قبل بدء التلاوة بالمآتم.

وعلى الرغم من أن الشيخ استرد عافيته، إلا أن صوته لم يعد بنفس القوة التي كان عليها عن ذي قبل، ومرت الشهور حتى فؤجئت أسرته بعد رجوعه من إحدى السهرات وهو في حالة إعياء شديد، حيث شخص الأطباء ذلك بإصابته بنزيف في المخ، وبعدها بساعات قليلة فارق الحياة، في عام 1969 عن عمر يناهز 47 عامًا.

اضافة تعليق