د. عمرو خالد يكتب: خلق الإنسان: حقائق قرآنية وأدلة علمي

الأحد، 03 فبراير 2019 03:08 م
اسليدر-د-عمرو

دائمًا ما يواجهنا أولادنا بالسؤال المحرج: كيف أتينا إلى الدنيا؟ وماذا كنا قبل أن نولد؟.. الإجابة: كنت مجرد حيوان منوي يسبح ليبحث عن بويضة يخصبها.
ولنستعرض الآن سويًا كيف لخص علم الأجنة حياتنا الجينية.. وكيف لخصها لنا القرآن الكريم منذ أكثر من 1400 سنة.


بعدما يقذف الرجل السائل المنوي في رحم المرأة.. يكون السائل المنوي وقتها لزجًا جدًا، يشبهه العلماء بـ "الجيلي"، وبعد مرور مايقرب من نصف ساعة يفقد لزوجته ويتحول إلى لزوجة الماء الصافي، كي يسمح للحيوانات المنوية الموجودة فيه بالسباحة والحركة، وإلا فلن لن تحدث عملية الإخصاب، وهو ما يعاني منه بعض الرجال المصابين بالعقم.

يقيس الأطباء لزوجة السائل المنوي عن تفريغ عينة منه في القطارة، فإذا تدفقت بسرعة مثل سرعة الماء؛ فالأمور على ما يراميقيس الأطباء لزوجة السائل المنوي عن تفريغ عينة منه في القطارة، فإذا تدفقت بسرعة مثل سرعة الماء؛ فالأمور على ما يرام، أما إذا أحدثت وراءها خيطًا من السائل يربطها بالقطارة، وكأنها نقطة من العسل فهناك مشكلة لزوجة عالية تستلزم العلاج.

 

"أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ*"، فنحن لم نخلق من المني مباشرة، وإنما بعدما تحولت لزوجة المني إلى لزوجة الماء الصافي، وكلمة نطفة في المعجم تعنى الماء الصافي.

 

بعدما تتحول لزوجة السائل المنوي في رحم المرأة إلى لزوجة الماء الصافي، تسبح وتسلك طريقها إلى قناة "فالوب"، حيث تتعلق من رأسها، لدرجة أنها تستطيع أن تظل معلقة لمدة خمسة أيام بعد عملية الجماع.

 

 وهذا أقوى دليل يستند إليه الطب الشرعي في إثبات ادعاء المرأة باغتصابها، حتى ولو بعد مرور أربعة أو خمسة أيام، ويفسر أيضًا لماذا قد يحدث إخصاب للبويضة بعد ثلاثة أو خمسة أيام من عملية الجماع؛ حيث يستطيع الحيوان المنوي أن يظل معلقًا من رأسه في انتظار نزول البويضة لإخصابها.

هل يعنى هذا أن الحيوانات المنوية هي "لاصقة مثل العلق"؟.. نعم، فالدكتور دايفيد ميلر، دكتور الـ molecular andrology بجامعة لييدز ببريطانيا، قال إن طريقة عملها أصلًا معتمدة على كونها تستطيع أن تلصق مثل "لاصقة شريط الفلكرو"، الذي يربط لساني الحذاء الرياضي "الكوتشي"، لأن عند رأس الحيوان المنوي يوجد ما يسمى بـ "البروتين ذو قابلية الاتحاد مع الكربوهيدرات"، وهذا يجعله متشبثًا ومعلقًا فى قناة "فالوب".

وبعد أن تظل الحيوانات المنوية معلقة من رأسها في أهداب قناة "فالوب" حتى ميعاد التبويض، يحدث في تلك الأثناء سقوط لبعض الحيوانات المنوية الضعيفةوبعد أن تظل الحيوانات المنوية معلقة من رأسها في أهداب قناة "فالوب" حتى ميعاد التبويض، يحدث في تلك الأثناء سقوط لبعض الحيوانات المنوية الضعيفة، بينما تظل القوية معلقة كما هي، وكأنه عملية اصطفاء، لتبقى الحيوانات المنوية القوية فقط هي المتشبثة والمعلقة من رأسها، أما الضعيفة فتسقط وتفقد فرصتها في تخصيب البويضة.

وفي اللحظة التي تنزل فيها بويضة الأنثى، تتحرر الحيوانات المنوية من كونها معلقة، وتسبح مرة أخرى، لكن هذه المرة ناحية البويضة، ثم  تتعلق مرة أخرى من رأسها أيضًا، ولكن هذه المرة في البويضة.

"اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ"، علق تعني كل ما يعلق، كل ما له القدرة على التشبث بالشيء.

وظيفة الحيوانات المنوية معتمدة أصلًا على كونها لها القدرة على أن تلصق مثل العلق، ومن رأسها بالتحديد، تظل معلقة وملتصقة بالبويضة إلى أن يربح حيوان منوي واحد فقط السباق وينجح منفردًا في تخصيب البويضة، ذلك هو أنت.

"أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى* أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى* أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى"، الإنسان خلق من علق، أي من شيء له القدرة على أن يعلق، هذه هي طريقة عمل الحيوان المنوي أصلًا مثلما قال العلم.

فالعلقة هي "الحيوان المنوي"، والعلق هو "الحيوانات المنوية"، قال القرآن "علقة"، وقال العلم: "حيوان منوي، لولا أن تشبثت وتعلقت نطفة المني كلاصقة العلق في الجهاز التناسلي للمرأة، لخرجت كما دخلت ولم تكن أنت.
هل تعلم أن الملي الواحد من السائل المنوي به ما يقرب من 100 مليون حيوان منوي، أو 100 مليون علقة؟، ولو افترضنا مجازًا أن كل حيوان منوي منهم سينتج واحدًا من البشر، وبافتراض أن عدد سكان العالم 7.5 مليار نسمة، فهم ما مجموع 75 ملي فقط من السائل المنوي، أي ثلث كوب.. "أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ"، يعني قليل القدر.

إذن كيف تتم عملية التلقيح أو الإخصاب وتكوين الجنين؟

يظل الحيوان المنوي الذي ربح السباق معلقًا من رأسه في البويضة إلى أن ينجح في تخصيب البويضةيظل الحيوان المنوي الذي ربح السباق معلقًا من رأسه في البويضة إلى أن ينجح في تخصيب البويضة، عند ذلك تتحفز البويضة وتقوم بعملية أسماها العلماء "عملية الالتهام الخلوي، أو "الفاجوسيتوزيس"، بحيث تقوم البويضة بعملية التهام لرأس الحيوان المنوي فقط، تكون المادة الوراثية للحيوان المنوي في رأسه فقط، ثم تبلعها داخلها وتفتتها وتخلطها وتمزجها بمادتها الوراثية، فيتكون بذلك مركب جديد مختلف تمامًا، هو مزيج بين المادة الوراثية للأب والمادة الوراثية للأم، هذا هو الجنين، أو أول خلية جنينية أو كما يسمى علميًا "الزيجوت"، فالبويضة هي أكبر خلية في جسم الإنسان، أما الحيوان المنوي فهو أصغر خلية فى جسم الإنسان.

عملية "الالتهام الخلوي، هي من أشهر المصطلحات في مجال الفسيولوجيا والمناعة والطب، والدكتورة جانيس ايفانس الأستاذة بقسم الكيمياء الحيوية والبيولوجيا الجزيئية بكلية جونز "هوبكينز" بالولايات المتحدة في بحثها المنشور في يوليو 2001 بمجلة "بيو ايسيس"، والدكتور بيارد ستوري، أستاذ الولادة وأمراض النساء بكلية الطب جامعة بنسيلفانيا فى بحثه المنشور سنة 1995 فى مجلة reproduction, fertility and development.. كل منهما قد وصف عملية التلقيح بعملية الالتهام الخلوي أو "الفاجوسيتوزيس".

وقال العالم باول تيرانوفا في كتاب الفسيولوجيا الطبية الجزء الثاني في 2003 إنه بعد أن تلتهم البويضة رأس الحيوان المنوي، يذوب ويتفتت الغشاء النووي لرأس الحيوان المنوي وتتفتت وتذوب بروتيناتها مع بروتينات البويضة وتختلط بذلك المادة الوراثية للحيوان المنوي المسماة بـ DNA  مع المادة الوراثية للبويضة المسماة بـ DNA  أيضًا، ويكونان بذلك مزيجًا جديدًا هو أول خلية جنينية (الزيجوت أو الجينين)؛ ولذلك يحمل أي فرد منا نصف مادته الوراثية من أبيه والنصف الثاني من أمه.

فعملية "الفاجوسيتوزيس" تعني ثلاث خطوات: الالتهام والتفتيت والخلط، فالبويضة تلتهم قطعة من الحيوان المنوي، وهي رأس الحيوان المنوي كطعام لها، ثم تفتتها داخلها وتخلطها مع مادتها الوراثية فيتكون مزيج جديد هو الزيجوت أو الجنين.

فيتكون مزيج جديد هو "المضغة"، وهو ما يسميه العلماء "فاجوسيتوسيس" أو "الالتهام الخلوي"، وأسماها القرآن مضغة، "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ"، والمضغة في المعجم: القطعةُ التي تُمْضَغُ من طعام.

فالمضغة هي بالتأكيد الجنين أو الزيجوت الذي نتج نتيجة عملية واحدة جمعت سلوك الالتهام والتفتيت والخلط،فالمضغة هي بالتأكيد الجنين أو الزيجوت الذي نتج نتيجة عملية واحدة جمعت سلوك الالتهام والتفتيت والخلط، بعد أن تتكون أول خلية جنينية (الزيجوت) تبدأ في الانقسام بحيث تترتب خلاياها في تكتلين: تكتل خارجي وتكتل داخلي، تكتل الخلايا الخارجية يحدث له أول علمية تمييز أو differentiation  في حياة الجنين، حيث تتميز خلاياه كي تكون أنسجة المشيمة لتغذية الجنين بالدم من جدار الرحم.

هذا هو ما قاله الدكتور سكوت جيلبرت الأستاذ بجامعة "سواث مور" بالولايات المتحدة والأستاذ بجامعة "هلسينكي" بفنلندا، ونشره في الإصدار السادس من كتابه developmental biology  لسنة 2000.

أما تكتل الخلايا الداخلية، فيظل كما هو.. غير متميز.. غير مخلق، يسميه العلم undifferentiated cells  ،وهذه الخلايا لها القدرة على أن تشكل أي عضو من أعضاء الجنين، وأي نسيج من أنسجته.. الأذنين.. العينين.. الشعر.. الطحال.. الكبد.. البنكرياس.. الأمعاء، تتشكل مثلما تتشكل.. فهي في الأصل خلايا غير مميزة .undifferentiated cells

أعتقد أنك الآن فهمت ما هو المقصود بهذه الآية الكريمة: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا".

نعم، فإنه كما وصف العلم عملية التلقيح أو الإخصاب وتكوين الجنين وصفها القرآن الكريم لنا بالتمام والكمال منذ أكثر من 1400 سنةنعم، فإنه كما وصف العلم عملية التلقيح أو الإخصاب وتكوين الجنين وصفها القرآن الكريم لنا بالتمام والكمال منذ أكثر من 1400 سنة، فأنت أتيت من جزء من السائل المنوي بعدما تحولت لزوجته إلى لزوجة الماء الصافي.. أسماه القرآن "نطفة"، ثم تشبثت وتعلقت هذه النطفة مثل "لاصقة العلق"  في أهداب قناة فالوب وفي جدار البويضة  فصارت "علقة"، ثم التهمت البويضة هذه العلقة كطعام لها ثم فتتتها داخلها وخلطتها مع مادتها الوراثية، فكونا مزيجًا جديدًا هو المضغة أو أول خلية جنينة "الزايجوت"، ثم انقسمت وترتبت خلاياها في تكتلين: تكتل خارجى وتكتل داخلى.. تكتل خلايا خارجية "مخلقة" حيث تحدث لها عملية تمييز أو تخليق differentiation  كى تكون المشيمة  التى يتغذى منها الجنين، وتكتل آخر داخلي للخلايا غير المميزة "غير مخلقة" أو ما يسميها العلم  undifferentiated cells وهذه هي الخلايا التى تشكل الجنين بكل أعضائه.. هل مازلت بعد هذا فى ريب من البعث.

هناك آية أخرى توضح لنا أن عظام الجنين قد خلقت أولًا ثم خلق لحم عضلاته بعد ذلك؛ وهذا يتفق تمام الاتفاق مع العلم.. "ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ".

في كتاب developmental approaches to human evolution  أو المناهج التنموية والتطور البشري لسنة 2016 للبروفيسيرة جوليا بوجنر بقسم التشريح وبيولوجيا الخلية بجامعة ساس كاتشيون بكندا، والبروفيسيرة كامبيل روليان بقسم البيولوجيا المقارن والطب التجريبي بكلية الطب البيطري جامعة "كالجاري" بكندا أيضًا، ستجد أن كل فصيلة الرئيسيات، ومنها الإنسان طبعًا وذوات الأربع أيضًا يتكون فى حياتهم الجنينية العظم أولًا ثم يتكون اللحم..

ليس هذا فقط، بل كما ذكر الكتاب أيضًا أن تكوين العظم إشارات يبدأ منها تكوين اللحم .

اضافة تعليق