خان "كسرى".. فدبر له خطة القتل 7 سنوات

الأحد، 03 فبراير 2019 02:00 م
خان كسرى.. فدبر له خطة القتل 7 سنوات


أقرب الناس إلى الحكام والسلاطين المخلص لهم، الذي لا يفشي لهم سًرا، ويفهم ما يراد منهم وأبعدهم من خانهم ولو خفية، فلو اطلعوا عليه كان نصيبه في الجزاء والمغرم عظيمًا.

وقد قيل: "احذروا الملوك، فإنهم يغضبون سريعًا ويأخذون أخذة الليث"، وحكوا عن سيرة " كسرى أنوشروان"، أن رجلاً من خاص خدمه جنى جناية اطلع عليها أنوشروان، والرجل غافل عنه.

 وكانت عقوبة تلك الجناية توجب القتل في قانونهم؛ فلم يدر كيف يقتله: لا هو وجد أمرًا ظاهرًا يقتل بمثله الحكام فيسفك به دمه، ولا قدر على كشف ذنبه لما في ذلك من الوهن على الملك والمملكة، ولا وجد لنفسه عذرًا في قتله غيلة، إذ لم يكن ذلك في شرائع دينهم.

 فدعا به بعد جنايته بسنةٍ، فاستخلاه، وقال: قد حزبني أمر من أسرار ملك الروم، وبي حاجة إلى أن أعلمها، وما أجدني أسكن إلى أحدٍ سكوني إليك إذ حللت من قلبي المحل الذي أنت به.

 وقد رأيت أن أدفع إليك مالاً لتحمل إلى هناك تجارة وتدخل بلاد الروم فتقيم بها لتجارتك؛ فإذا بعت ما معك، حملت مما في بلادهم من تجارتهم وأقبلت إليّ.

وقال له: وفي خلال ذلك تصغي إلى أخبارهم، وتطلع ما بنا حاجة إليه من أمورهم وأسرارهم.

فقال الرجل: أفعل أيها الملك، وأرجو أن أبلغ في ذلك محبة الملك ورضاه.

فأمر له بمالٍ، وتجهز الرجل، وخرج بتجارة؛ فأقام ببلاد الروم، حتى باع واشترى ولقن من كلامهم ولغتهم ما يعرف به مخاطبتهم وبعض أسرار ملكهم.
 ثم انصرف هذا الرجل إلى أنوشروان بذلك، فاستبشر بقدومه، وزاد في بره، ورده إلى بلادهم، وأمره بطول المقام، والتربص بتجارته،  ففعل، حتى عرف واستفاض ذكره.


فلم تزل تلك حاله ست سنين، حتى إذا كان في السنة السابعة، أمر الملك أن تصور صورة الرجل في جامٍ – إناء للشرب- من جاماته التي يشرب فيها، وتجعل صورته بإزاء صورة الملك، ويجعل مخاطباً للملك، ومشيرًا إليه من بين أهل مملكته، ويدني رأسه من رأس الملك في الصورة كأنه يسرُّ إليه.

  ثم وهب ذلك الإناء لبعض خدمه، وقال له: إن الملوك ترغب في هذا الإناء، فإن أردت بيعه، فادفعه إلى فلان إذا خرج نحو بلاد الروم بتجارته، فإنه إن باعه من الملك نفسه نفعك، وإن لم يمكنه بيعه من الملك، باعه من وزيره أو من بعض مقربيه.


فجاء غلام الملك بالإناء ليلاً، وقد وضع الرجل رجله في غرز ركابه، فسأله أن يبيع جامه من الملك، وأن يتخذ بذلك عنده يداً.

 وكان الملك يقدم ذلك الغلام، وكان من خاص غلمانه وصاحب شرابه،  فأجابه إلى ذلك، وأمره بدفع الجام إلى صاحب خزانته، وقال: احفظه! فإذا صرت إلى باب الملك، فليكن فيما أعرضه عليه.

فلما صار إلى ملك الروم، دفع صاحب الخزانة إليه الجام، فعزله فيما يعرض على الملك.

 فلما دفع الجام- الإناء-  في يدي الملك، نظر إليه، ونظر إلى صورة أنوشروان فيه، وإلى صورة الرجل وتركيبه، عضوًاً عضوًا، وجارحةً جارحةً.

 فقال ملك الروم للملك : أخبرني، هل يصور مع الملك صورة رجل خسيس الأصل؟ قال: لا قال: فهل يصور في آنية الملك صورة لا أصل لها ولا علة؟ قال: لا قال: فهل في دار الملك اثنان يتشابهان في صورةٍ واحدةٍ حتى يكون هذا كأنه هذا في الصورة، وكلاهما نديما الملك؟ قال: لا أعرفه. فقال: قم، فقام، فتأمله قائمًا، فوجد صورته قائماً في الجام. ثم قال: أدبر، فأدبر، فتأمل صورته في الجام مدبرًا.

ثم قال: أقبل، فأقبل، فتأمل صورته في الجام مقبلاً، فوجدها بحكاية واحدة، وتخطيط واحد.

فضحك الملك، ولم يجتريء الرجل أن يسأله عن سبب ضحكه، إجلالاً له وإعظامًا.

 فقال ملك الروم: الشاة أعقل من الإنسان، إذ كانت تأخذ بسكينها فتدفنها، وأنت أهديت إلينا سكينك بيدك!.

فأمر به ملك الروم أن يصعد به إلى صرحٍ كان يشرف منه على كل من في المدينة، إذا صعد، فضربت عنقه هناك، وألقيت جثته من ذلك الصرح، ونصب رأسه للناس.

وبذلك انتقم كسرب من خائنه علي مهل..ولذلك حذر العلماء من خيانة الحكام والسلاطين، فإنهم لا ينسون من غدر بهم.

اضافة تعليق