هذا ما يترتب على منع الزكاة.. فاحذر العقاب العاجل في الدنيا قبل الآخرة

السبت، 02 فبراير 2019 11:28 ص
ثروة 26 شخصاً تعادل ما يملكه نصف سكّان الأرض


 يتجاهل الكثير من الناس الأثر الجوهري للزكاة على الفرد والمجتمع، وفي الوقت الذي يرفص فيه البعض أداء الزكاة متذرعًا بأن "هذا المال ماله وليس مال الله"، ومن ثم ليس من أحد أن يأخذ من هذا المال، يقوم آخرون بالتلاعب في أنصبته المالية لكي لا يخرج زكاة ماله كل عام، "يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ" (9)البقرة.


الإحصاء الأخير الذي أصدرته منظمة "أوكسفام Oxfam" الخيرية في يناير، 2019، أظهر أن القيمة الصافية لثروات أغنى 26 شخصًا على وجه الأرض في العام 2018، كانت مساوية لثروات النصف الأفقر من سكان العالم أجمع، أي نحو 3.8 مليار شخصٍ.


هل تتصور أن 26 شخصًا فقط في هذا العالم يمتلكون ما يمتلكه نصف سكان العالم من الفقراء.

 التقرير أشار إلى أن ثروة ألفين و200 ملياردير على مستوى العالم زادت بنسبة 12%، بينما انخفضت ثروة النصف الأفقر بنسبة 11%.



وكشف تقرير اقتصادي عالمي في 2014 أن الأشخاص الذين يقعون في الشرائح الدنيا الثانية والثالثة والرابعة والخامسة (10-50%)، البالغ عددهم 2.8 مليار شخص، يملكون جماعيًا 1% فقط من الثروة العالمية، أي نحو 2.6 مليار دولار. ويساوي ذلك تقريبًا الثروة نفسها التي يملكها أغنى 147 ملياردير في العالم.



وضرب مثالاً بأن مؤسس موقع Amazon جيف بيزوس كسب وحده 24 مليار دولار في العام 2018.


وبعيدًا عن التفاصيل الاقتصادية المعقدة، يبقى السؤال الأهم: هل يزداد الأثرياء ثراءً بينما يشتد الفقراء فقرًا؟ الإجابة المختصرة هي أن الأثرياء قطعًا يزدادون ثراءً.


 ويقترح أحد التحليلات أنه من الممكن القضاء على ما يصل إلى 50% من الفقر المدقع العالمي في حال اعتمدت الدول النامية فرض معدلاتٍ أعلى من الضرائب على الشريحة العليا.



هنا يظهر معدن الزكاة


وهنا تتضح القيمة الحقيقية للزكاة في الإسلام، والتي تعد الركن الثالث من الإسلام، وهي العلاقة الخفية بين العبد وربه، والتي يتوقف عليها حسن إسلام المرء وكمال إيمانه.


وربط الله سبحانه بينها وبين الصلاة في كثير من الآيات، فقال تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [النور: 56].



 وقال: ﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ ﴾ [الحج: 41]، وقال: ﴿ وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ [الأحزاب: 33].



وجعل النبي صلى الله عليه وسلم الزكاة من أساسيات الدعوة إلى الإسلام فقال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله".



وجعل الإسلام الزكاة محك الإيمان، وبرهان الإخلاص، وهي فيصل التفرقة بين الإسلام والكفر وبين الإيمان والنفاق، وبين التقوى والفجور.



آثارها:

 الزكاة برهان على صدق إيمانه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والصدقة برهان" كما أنها طهرة لنفسه من البخل والشح ﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: 9]، ويقول عز من قائل: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ ﴾ [التوبة: 103].

وكلما كان المال المتصدق به من جيد المال وكريمه كان أدل على قوة إيمان صاحبه وأكثر طهرة لشوائب البخل في نفسه لذا أمر الله سبحانه وتعالى بإخراج الطيب من المال فقال جل جلاله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ [البقرة: 267].



ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث على الزكاة؛ لما لها من أهمية بالغة في تكافل وترابط المجتمعات الإسلامية، وتُطهِّر الصائم، وتُسعد الفقير المحتاج.



 وعندما تَهاون بعض المسلمين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا لأبي بكر: نُقيم فرائض الإسلام، ولكن لا نريد أن نقوم بأداء الزكاة! فغَضب خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبًا شديدًا، وهو الذي كان يُعرف عنه رقَّة الطبع ولين الجانب، والذي وصفَتْه عائشةُ رضي الله عنها بأنه رجل أسِيفٌ؛ أي: إذا قرأ القرآن بَكى وأبكى مَن حوله، فقال أبو بكر قولتَه المشهورة: "والله لو منَعوني عِقالَ بعيرٍ كانوا يُعطونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتُهم عليه"، فهنا كان تمسُّك أبي بكر رضي الله عنه بالزكاة ومحاربتُه لمانعيها دليلًا على ما للزَّكاةِ من أهمية كبيرة في رباط المسلمين ووحدتهم، وصحة عقيدتهم.



 كفالة اجتماعية وانتصار للفقراء


والزكاة كفيلةٌ أن تحقق التكافل الاجتماعيَّ بين أفراد المجتمع المسلم الواحد، فتُطيب نفسَ المعطي المزكِّي، وتُطهِّر قلب الفقير المُعدم؛ فلا ينظر إلى مال غيره بحَسرة وحسدٍ وندم، ولكن ينظر إليه متمنِّيًا له المزيد؛ لأنه أعطاه من ماله، وتطهيرُ نفسه من السطو والاعتداء والسرقة، كلُّ ذلك يتأتَّى نتيجة لتأدية ركن الزكاة.


فالزكاة هي عماد التكافل بين المجتمعات الإسلامية، ولها المردودات الإيجابية في خَلق مجتمع مسلم نظيف يحب بعضه بعضًا، وبجانب كون الزكاة عبادة دينية واجبةً على المسلم؛ فإنها على المستوى الماليِّ تجارةٌ مع الله عز وجل، فيقول تعالى: ﴿ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ﴾ [الروم: 39].



ويقول العلماء إذا كان مَن يؤدي الزكاة يكسب ماليًّا فإنَّ من يمنع أداءها يخسر ماليًّا ودينيًّا؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "ما منَع قومٌ الزَّكاة إلا ابتلاهم الله بالسنين"؛ أي: القحط والمجاعة، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم على المستوى الفردي: "ما تلف مال في بَرٍّ ولا بحر إلا بحَبسِ الزكاة".


 وللزكاة أبعادٌ عدة وهامة في ترابط المجتمعات الإسلامية؛ فهناك البُعد الديني الذي يَستشعر المؤمن من خلاله طاعةَ الله عز وجل والامتثالَ لأوامره ونواهيه سبحانه، وإقامة ركن من أركان الإسلام، والبعد الاجتماعي، وهو التكافل والتكاتف بين أفراد المجتمعات الإسلامية؛ في عطف الغنيِّ على الفقير، وقضاء حاجة الفقير فتعدم المذلة والسؤال، وتذوب الفوارق بين المجتمعات المسلمة، وهذا ما يسعى إليه الدين الإسلامي الحنيف في كل تعاليمه وأهدافه السامية.


 ويَربط الحق سبحانه وتعالى بين إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة؛ لما فيهما من أمن وسكينة، وتواصل وترابط بين المسلم والمسلم، وبين المسلم وربِّه، فقال تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾ [البقرة: 43].


والزكاة هي التجارة الرابحة مع الله سبحانه وتعالى؛ فإن ما يقدمه الإنسان من زكاة فإنها تربو عند الله حسناتٍ أضعافًا مضاعَفة يوم القيامة، وإن ما نقدمه للفقراء لِمَرضاة الله تعالى نجده عند الله تبارك وتعالى خيرًا مما قدَّمناه؛ فيقول تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [البقرة: 110].


والزكاة هي فرضٌ للفقير في أموال الأغنياء، أولئك الذين استُخلفوا فيه وعليه؛ فهو مال الله، ويأمرنا تبارك وتعالى أن نُعطي الفقير المعدم من هذا المال الذي هو مال الله، قال تعالى: ﴿ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ﴾ [الحديد: 7]، فالإنسان وكيلٌ عند الله تعالى في استثمار هذا المال الذي جعَله الله في يده؛ يقول تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾ [المعارج: 24، 25].



 لذلك إذا التزم الناس بمنهج الله تبارك وتعالى نحو الزكاة والعطف على الفقراء والمحتاجين ما كان هناك من فقير أو محتاج.


وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه في إحدى جولاته في المدينة، ورأى رجلاً يهوديًّا كبير السن يتكفف الناس، ويسألهم أن يُعطوه من مال الله، فخصص له عمر بن الخطاب رضي الله عنه معاشًا ثابتًا من بيت مال المسلمين.






اضافة تعليق