"البكائون".. تصدّقوا بعرضهم.. فبشرهم الرسول بهذه الكرامة

الخميس، 31 يناير 2019 02:31 م
«البكائون».. تصدّقوا بعرضهم..فبشرهم الرسول بهذه الكرامة


كانت غزوة "تبوك" كاشفة وفاضحة للمنافقين، لأنها جاءت في وقت "العسرة" مع شدة الحر، وطول السفر، وعظم العدو، وتزامنت مع جني الثمار في المدينة، فكشفت كل النفوس، لذلك سميت سورة "التوبة"، التي عالجت أحداث هذه الغزوة، بالكاشفة والفاضحة، لأن الله تعالى اشتدّ غضبه على المنافقين.

ومن عجائب هذه الغزوة هي واقعة البكّائين، الذين جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليحملهم، ولم يكن معه دواب تحملهم، فأخبرهم الرسول أنه لا يجد ما يحملهم عليه، فرجعوا كما وصفهم القرآن "وأعينهم تفيض من الدمع".

يقول أهل السيرة : وتخلف المنافقون، وحدثوا أنفسهم أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لا يرجع إليهم أبدًا، فاعتذروا.. وتخلف رجال من المسلمين بأمر كان لهم فيه عذر، منهم السقيم والمعسر.
وجاء ناس من المنافقين إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ليستأذنوه في القعود من غير علة، فأذن لهم- وكانوا بضعة وثمانين رجلا.
وجاء المعذّرون من الأعراب فاعتذروا إليه فلم يعذرهم الله، وكانوا اثنين وثمانين رجلاً.

وجاءت عصابة من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- جاءوه يستحملونه، وكلهم معسر ذو حاجة لا يحب التخلف عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- "لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون"، وهم سبعة.

ولما لم يجد أحدهم  عند رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ما يحمله، خرج من الليل فصلى من ليلته ما شاء الله تعالى، ثم بكى وقال: اللهم إنك أمرتنا بالجهاد ورغبت فيه، وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني بها في مال أو جسد أو عرض، ثم أصبح مع الناس.

 فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : "أين المتصدق هذه الليلة؟"، فلم يقم أحد، ثم قال: "أين المتصدق فليقم"، فقام إليه فأخبره، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "أبشر، فو الذي نفسي بيده لقد كتبت في الزكاة المتقبلة".

ولما خرج البكاءون من عند رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقد أعلمهم أنه لا يجد ما يحملهم عليه، لقي يامين بن عمرو النضري أبا ليلى وعبد الله بن مغفل وهما يبكيان، فقال: ما يبكيكما؟، قالا: جئنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ليحملنا، فلم نجد عنده ما يحملنا عليه، وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج، ونحن نكره أن تفوتنا غزوة مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأعطاهما ناضحا له، وزود كل واحد منهما صاعين من تمر.

وحمل العباس بن عبد المطلب منهم رجلين، وحمل عثمان بن عفان منهم ثلاثة نفر بعد الذي جهز من الجيش.

وعن أبي موسى الأشعري- رضي الله عنه- قال: أتيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في نفر من الأشعريين ليحملنا، وفي رواية: أرسلني أصحابي إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أسأله لهم الحملان، فقلت: يا رسول الله إن أصحابي أرسلوني لتحملهم، فقال: "والله لا أحملكم على شيء، وما عندي ما أحملكم عليه"، ووافقته وهو غضبان ولا أشعر، فرجعت حزينا من منع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ومن مخافة أن يكون رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وجد في نفسه، فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم بالذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 ثم جيء رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بجمع إبل فلم ألبث إلا قليلا إذ سمعت بلالا ينادي: أين عبد الله بن قيس؟ فأجبته، فقال: أجب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يدعوك، فلما أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خذ هذين القرينين وهذين القرينين وهذين القرينين" لستة أبعرة ، فانطلق بهن إلى أصحابك فقل إن الله- أو قال: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يحملكم على هؤلاء فاركبوا".

 قال أبو موسى فانطلقت إلى أصحابي فقلت: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يحملكم على هؤلاء، ولكن والله لا أدعكم حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين سألته لكم ومنعه في أول مرة، ثم إعطائه إياي بعد ذلك، لا تظنوا إني حدثتكم شيئًا لم يقله، فقالوا لي والله إنك عندنا لمصدق ولنفعلن ما أحببت.

 فانطلق أبو موسى بنفر منهم حتى أتوا الذين سمعوا مقالة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من منعه إياهم ثم إعطائه بعد ذلك فحدثوهم بمثل ما حدثهم به أبو موسى، قال أبو موسى، ثم قلنا: حملنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على يمينه، والله لا يبارك لنا، فرجعنا فقلنا له، فقال "ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم"، قال: "إني والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت التي هي خير وتحللتها"، فقال: "كفرت عن يميني".

اضافة تعليق