السحر الحلال.. الصوت الحسن

الأربعاء، 30 يناير 2019 11:29 ص
السحر الحلال..الصوت الحسن


لا شك أن الصوت الحسن من النعم التي ينعم الله بها على العبد، حيث قال بعض أهل التفسير في قوله تعالى: «يزيد في الخلق ما يشاء».. هو «الصوت الحسن».

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: أتدرون متى كان الحداء؟ قالوا: لا، قال: إن أباكم مضر خرج في طلب مال له، فوجد غلامًا قد تفرقت إبله، فضربه على يده بالعصا، فطار الغلام في الوادي وهو يصيح: وايداه، فسمعت الإبل صوته، فعطفت عليه، فقال مضر: لو اشتق من الكلام مثل هذا لكان كلامًا تجتمع عليه الإبل، فاشتق الحداء.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه لما أعجبه حسن صوته: لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود.

 وقيل: إن داود عليه الصلاة والسلام كان يخرج إلى صحراء بيت المقدس يومًا في الأسبوع، وتجتمع عليه الخلق، فيقرأ الزبور بتلك القراءة الرخيمة، وكان له جاريتان موصوفتان بالقوة والشدة فكانتا تضبطان جسده ضبطًا شديدًا خيفة أن تنخلع أوصاله مما كان ينتحب، وكانت الوحوش والطير تجتمع لاستماع قراءته.

وروى مالك بن دينار رحمه الله تعالى: بلغنا أن الله تعالى يقيم داود عليه الصلاة والسلام يوم القيامة عند ساق العرش، فيقول: يا داود مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم.

وزعم أهل الطب أن الصوت الحسن يجري في الجسم مجرى الدم في العروق، فيصفو له الدم، وتنمو له النفس ويرتاح له القلب، وتهتز له الجوارح، وتخف له الحركات، ولهذا كرهوا للطفل أن ينام على أثر البكاء، حتى يرقص ويطرب.

وزعمت الفلاسفة: أن النغم فصل بقي من النطق لم يقدر اللسان على استخراجه، فاستخرجته الطبيعة بالألحان، فلما ظهر عشقته النفس وحنّت إليه الروح.

وجميع أهل الصناعات والمهن كلها إذا خافوا الملالة والفتور على أبدانهم ترنموا بالألحان، واستراحت إليها أنفسهم، وليس من أحد كائنا من كان إلا وهو يطرب من صوت نفسه، ويعجبه طنين رأسه، ولو لم يكن من فضل الصوت الحسن إلا أنه ليس في الأرض لذة تكتسب من مأكل ولا مشرب ولا ملبس ولا صيد إلا وفيها معاناة على البدن، وتعب على الجوارح ما خلا السماع، فإنه لا معاناة فيه على البدن ولا تعب على الجوارح.

وقد يتوصل بالألحان الحسان إلى خيري الدنيا والآخرة، فمن ذلك أنها تبعث على مكارم الأخلاق من اصطناع المعروف، وصلة الأرحام، والذب عن الأعراض والتجاوز عن الذنوب، وقد يبكي الرجل بها على خطيئته، ويتذكر نعيم الملكوت، ويمثله في ضميره، ولأهل الرهبانية نغمات، وألحان شجية يمجدون الله تعالى بها، ويبكون على خطاياهم، ويتذكرون نعيم الآخرة.

وكان أبو يوسف القاضي يحضر مجلس الرشيد، وفيه الغناء، فيجعل مكان السرور به بكاء، كأنه يتذكر نعيم الآخرة، وقد تحن القلوب إلى حسن الصوت حتى الطير والبهائم.

قال أفلاطون الفيلسوف: من حزن فليسمع الأصوات الحسنة، فإن النفس إذا حزنت خمدت نارها، فإذا سمعت ما يطربها ويسرها اشتعل منها ما خمدت وما زالت ملوك فارس تلهي المحزون بالسماع، وتعلل به المريض، وتشغله عن التفكير.

اضافة تعليق