الشيخ الصياد.. فيلسوف المقرئين

الثلاثاء، 29 يناير 2019 01:24 م
شعبان الصياد

هو أحد الأصوات البارزة تميز بعذوبة وجمال الصوت وسط كوكبة من قراء الجيل الذهبي، كانت ولادته ونشأته في قرية تتميّز بكثرة الكتاتيب والمحفّظين الأجلاء الذين حفظ وتخرج على أيديهم بعض الأعلام والمشاهير، جمع بين حفظ القرآن الكريم وحسن تلاوته، وفي الوقت ذاته كان متفوقًا في دراسته العلمية.


ولد الشيخ شعبان عبد العزيز الصياد في 20 سبتمبر 1940 في قرية صراوة التابعة لمركز أشمون بمحافظة المنوفية، نشأ في بيت قرآني مليء بآيات الله عن أب يحمل كتاب الله ويمتلك صوتًا جميلاً عذباً، فورث عنه جمال صوته واهتمامه بالقرآن، حيث كان يتردّد على كتّاب قريته، وسرعان ما أتمّ حفظه لكتّاب ربّه وهو لم يتجاوز السابعة من عمره.

التحق بالمعهد الدينى الابتدائى، وذاع صيته في تلك المرحلة في أوساط بلدته، حيث كان أساتذته يحرصون على أن يقرأ في طابور الصباح لمدة ربع ساعة يوميًا، ثم أكمل دراسته بالمعهد الدينى بمدينة منوف.

درس بكلية أصول الدين شعبة العقيدة والفلسفة، وكان لايجد مكانًا ينام فيه سوى الجامع الأزهر، وكان الشيخ مصطفى إسماعيل هو قارئ السورة بالمسجد، فتقرب منه وأسمعه صوته وهو يقرأ القرآن، فأعجب به وأثنى عليه واحتضنه، وأصبح يصطحبه معه في السهرات، وكان يأخذه معه الكتب ليذاكر.

ذات يوم حضر، الشيخ مصطفى إلى الجامع الأزهر وحوله العديد من محبيه، فإذا به يراه ينام واضعًا حذاءه ملفوفًا بكيس تحت رأسه، فالتفت إليهم، وقال لهم: إن هذا الشاب النائم صوته ملائكي وسيصبح له شأن عظيم في دنيا التلاوة.

كان الشيخ متفوقًا في دراسته الجامعية، وحصل على الليسانس بدرجة جيد جدًا عام 1966، وجاء ترتيبه من بين الخمسة الأوائل على الكلية، ووصله خطاب ترشيح من جامعة الازهر ليتسلم عمله كمعيد بالكلية إلا أنه رفض نظرًا لاهتمامه بالقرآن.

عمل الشيخ الصياد كمدرّس بالمعهد الدينى بمدينة سمنود بمحافظة الغربية، وكان ينتقل إليها يوميًا من مقر إقامته بمدينة منوف – محافظة المنوفية، ثم نقل إلى معهد الباجور الديني، ثم إلى معهد منوف الثانوي، ثم إلى مديرية الأوقاف بشبين الكوم حيث رقى إلى موجه في علوم القرآن، لأنه كان يقوم بتدريس القرآن والتفسير والأحاديث النبوية الشريفة، ثم رقى إلى موجه أول حتى وصل إلى درجة وكيل وزارة بوزارة الأوقاف.

بعد أن اتسعت شهرة الشيخ شعبان الصياد بجميع أنحاء الجمهورية، تقدم للامتحان بالإذاعة والتليفزيون المصري عام 1975، واجتاز الامتحان بنجاح باهر، وتم اعتماده كقارئ للقرآن الكريم بالبرنامج العام مباشرة دون المرور على إذاعات البرامج القصيرة.

صال وجال بتلاواته في جميع أنحاء مصر من أقصاها إلى أقصاها، وذلك في المناسبات المختلفة وبصورة شبه يومية، وكان محبّوه يحرصون على سماع صوته في كل الظروف.

حينما توفي والد القارئ الشيخ محمود علي البنا، طلب منه الحضور للمشاركة في ليلة العزاء بقرية شبراباص، ليفاجئ فور وصوله بوجود العديد من أعلام التلاوة بالعزاء، منهم المشايخ مصطفى إسماعيل وعبدالباسط عبدالصمد، عبدالعزيز علي فرج، ومحمد الطبلاوي وغيرهم.

قام الشيخ البنا باستئذان الجميع في أن يصعد الشيخ الصياد التخت ليقرأ فوافقوا جميعًا، وقرأ من سورة الإسراء وسط إعجاب وتشجيع من القراء والمعزيين الذين تجاوبوا مع أدائه المبهر والمعجز في نفس الوقت.

قال عنه الموسيقار الراحل عمار الشريعي في برنامجه الشهير: "غواص في بحر النغم": "إنني فوجئت بالأمس بصوت "كسر" كل قواعد الموسيقي المتعارف عليها في دنيانا سمعت شيخًا اسمه شعبان الصياد وهو يصعد في تلاوته بانسيابية مطلقة، ثم ينزل بمنتهى السهولة واليسر كانسياب الماء من الصنبور".

يذكر ولده الأصغر "عادل، أنه ذات مرة أن دعي والده بقرية الدكتور كمال الجنزوري رئيس الوزراء الأسبق، وقام محبوه بحمل عقب انتهائه من التلاوة، على الرغم من أنه كان رافضًا بشدة، لكنه لم يستطع منعهم لأنهم كانوا كثرة، وتكرر هذا المشهد في إيران عندما حملوه على الأعناق حتى لا تلمس قدمه الأرض حتى السيارة المخصصة لنقله إلى مكان إقامته.

سافر إلى معظم الدول العربية والإسلامية والأجنبية لإحياء شهر رمضان هناك، وأول دعوة له في شهر رمضان بعد دخوله الإذاعة مباشرة كانت إلى دولة الكويت، ثم دعي في العام التالي إلى دبي وذلك لإحياء شهر رمضان ورئاسة رئيس لجنة التحكيم لمسابقة القرآن الكريم التي أقامتها في وزارة الداخلية هناك.

حصل الشيخ الصياد على العديد من الجوائز والأوسمة والشهادات التقديرية من معظم الدول التى دعى إليها لإحياء ليإلي شهر رمضان المبارك، وكان آخرها سلطنة بروناي.

بدأت أعراض المرض تظهر على الشيخ الصياد عام 1994، بعدما أصيب بمرض الفشل الكلوي، وعلى الرغم من ذلك فقد استمر في تلاواته حتى أقعده المرض تمامًا، ثم لبّى نداء ربّه صبيحة أول أيام الفطر في 19 يناير 1998.

ونعاه نقيب القراء آنذاك الشيخ أبوالعينين شعيشع بقوله: "فقدت مصر عالم القراء"، وقال القارئ الشيخ راغب مصطفي غلوش عنه إنه "أعظم من قرأ القرآن في العصر الحديث".

اضافة تعليق