كيف يتم تهذيب الفرد وتقويمه؟.. منهج نبوي أخرج قادة وعظماء

الثلاثاء، 29 يناير 2019 10:48 ص
كيف يتم تهذيب الفرد وتقويمه



أرسل الله سبحانه وتعالى، النبي صلى الله عليه وسلم، قدوة للعالمين وهاديًا ومبشرًا ونذيرًا، من أجل تقويم سلوك الفرد وتهذيبه، وقد أخرج عظماء من الصحابة، استطاعوا أن يكونوا قادة ورجال لم تسبقه هممهم سوى همم الأنبياء.

 وانطلق النبي صلى الله عليه وسلم في تهذيب سلوك أصحابه والأمم بعده، من حديثه: " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، ومن خلال قول الله تعالى:"هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ" الجمعة: 2].


وقام النبي صلى الله عليه وسلم بأمر ربه، فكان جيل الصحابة خير القرون كما أخبر صلى الله عليه وسلم، حيث قال: "خير القرون قرني..."، وهم الذين قال الله عنهم: "وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" التوبة: 100].



ولكن ما هو المنهج الذي اعتمد عليه النبي صلى الله عليه وسلم في تقويم الفرد والمجتمع؟



 الإيمان



أول ما بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم، غرس قيمة الإيمان بالله في نفوس الصحابة وصدورهم، حتى أصبح يقينا ضحوا من اجله بأرواحهم وأموالهم، فسكنت نفوسهم وحدثت الطمأنينة في قلوبهم، واستمدوا قوتهم من هذا الإيمان، والتوكل على الله، يقينًا بوحدانيته، فشمل الإيمان حياتهم "قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" [الأنعام: 162].



 التقوى





وبعد أن ملأ الإيمان صدور الصحابة، وانطلقوا منه يجوبون الأرض فداءا وتضحية وشجاعة، بدأ النبي صلى الله عليهم وسلم يدربهم على التقوى، فأوصاهم بها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "اتق الله حيثما كنت" وبيّن موضعها فقال: "التقوى هاهنا، وأشار إلى صدره"، وصوّر أثرها عندما ذكر قصة الرجل الذي احتاجت ابنة عمه، فساومها على عرضها "فلما جلس بين شعبها الأربع قالت اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقام عنها".



وقال الله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ" [الأعراف: 201].



 الإخلاص



كان النبي صلى الله عليه وسلم منهجا في تعليم الإخلاص، حتى صار كل واحد من صحابة النبي أمة بأثرها في الإخلاص لهذا الدين، فقال تعالى"قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ" [الزمر: 11]. "وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ" [البينة: 5].



وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" رواه البخاري، وحذر صلى الله عليه وسلم من الرياء فقال: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله عز وجل لهم يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء" رواه أحمد.



العلم





لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم الذي أنزلت عليه "اقرأ" ليدع الصحابة والأمة كلها دون أن يربطهم بالعلم، ويجعله سر نجاحهم، فربّى الصحابة على العلم والعمل، فلم يكن يعلمهم العلم دون العمل، بل يأمرهم بالعمل ويحثهم عليه.



عن ابن عمر رضي الله عنه قال: "لقد عشت برهة من دهري، وإن أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فيتعلم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يقف عنده منها كما تعلمون أنتم القرآن. ثم لقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحة الكتاب إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره، وما ينبغي أن يقف عنده منه وينثره نثر الدقل".



 ويقول التابعي أبو عبد الرحمن السلمي: "حدثنا من كان يُقرئنا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إنهم كانوا يقترئون من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قالوا: فعلمنا العلم والعمل" رواه أحمد وغيره.



القدوة



كان النبي صلى الله عليه وسلم قدوة لأصحابه في كل خير، فما من أمر إلا كان أسبقهم إليه، وما من نهي إلا كان أبعدهم عنه، وفي ذلك قال تعالى "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً" [الأحزاب: 21]، وقال علي رضي الله عنه: "كنا إذا حمي الوطيس واحمرت الحدق نتقي برسول الله صلى الله عليه وسلم" رواه ابن عساكر.



الزهد



ربط صلى الله عليه وسلم الصحابة وعلّقهم بالآخرة وما عند الله، ولما دخل عمر رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو على حصير قد أثر في جنبه فقال: يا رسول الله لو اتخذت فرشًا أوثر من هذا، فقال: "ما لي وللدنيا وما للدنيا وما لي، والذي نفسي بيده.. ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة، ثم راح وتركها" رواه الحاكم. وعرفهم حقيقة متعة الدنيا "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء" رواه الترمذي.





الإيجابية



حث النبي المسلمين على أن يكونوا إيجابيين وحذرهم من التبعية فقال: "لا تكونوا إمّعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطّنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا".



وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة"، قلنا لمن؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" رواه مسلم.



وأكد على أهمية الإصلاح عندما قرر أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعيرة مهمة في قوة وضعف المجتمعات "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم" .



ويجعل المبادرة مزية كبرى فيقول صلى الله عليه وسلم: "من سنَّ في الإسلام سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" .



الاستمرارية



كان النبي صلى الله عليه وسلم يراعي قدرات الصحابة المختلفة، فيوجه كل واحد بما يناسبه، فذاك يقول له: "لا تغضب" رواه البخاري، وهذا يقول له: "لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله"، ثم يجعل التهذيب عملا مستمرًّا صورته الاستقامة: "قل آمنت بالله ثم استقم" . ويرغب في الديمومة، فيقول عندما سُئل أي العمل أحب إلى الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: "أدومه وإن قل". ويجعل المتابعة ضامنًا للاستمرار كما قال صلى الله عليه وسلم: "تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتًا من الإبل في عقلها" متفق عليه، ويقول: "سدّدوا وقاربوا وأبشروا"، ثم يرسم أعظم صورة للاستمرار بقوله صلى الله عليه وسلم: "إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فان استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل" رواه أحمد، ويذكر ذلك كله بقوله تعالى: "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ" [العنكبوت: 69].



 المشاركة



لم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم الدعوة حكرًا على العلماء، بل قال: "بلغوا عني ولو آية"، وقال: "اتقوا النار ولو بشق تمرة"، ليشعر كل أحد بإمكان الإسهام والمشاركة.



التنوع



قام النبي صلى الله عليه وسلم في تهذيبه لأصحابه بطرق عديدة ومتنوعة بين الأمثال والقصص والمحاورات، فمرة يقول: "كان فيمن كان قبلكم ثلاثة نفر".. ويذكر القصة، وتارة يضرب الأمثال فيقول: "إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارًا فجعلت الدواب والفراش يقعن فيه فأنا آخذ بحجزكم وأنتم تقحمون فيه" رواه البخاري ومسلم. وتارة يخط خطًّا مستقيمًا وبجانبه خطوط مائلة ويتلو: "وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" [الأنعام: 153].



اضافة تعليق