مفاتيح الجنة والنار.. موت الحجاج ودعوته تقطع الجدل وتؤكد أن أمر العباد بيد الله

الإثنين، 28 يناير 2019 02:20 م
مفاتيج الجنة والنار

ضربت قصة الحجاج بن يوسف الثقفي، المثل، ليس في قوة الشخصية أو سلطانها، أو الجدل حولها سواء كان الجدال إيجابيا يمدح الحجاج أو سلبيا يسيئ له، ولكن كانت القصة مثالا لتأني المسلم قبل الحديث عن علاقة العبد بربه، والحكم على الناس، وجعل مفاتيح الجنة والنار بأيدي البشر يدخلون من يشاءون الجنة ومن يكرهون النار، ولكن فصلت قضية الحجاج في أن الله سبحانه وتعالى وحده هو القاضي والقاهر فوق عباده، إن يشأ يغفر لهم، وإن يشأ لا يغفر لهم.

واجتمعت في الحجاج بن يوسف الثقفي من الصفات ما لا يجتمع لغيره من المسلمين، في عصره، فقد اجتمع فيه ما بين الزُهد والإجرام والتدين والطغيان وحب القرآن وقتل الصالحين، واحترام الخلفاء واستهانة بالصحابة الأجلاء، فأصبح الحجاج مادة يلصق بها المزيفون كل ما أردوا أن يزيفوه في تاريخ الدولة الإسلامية في هذه الفترة.

وكان الحجاج أفصح الناس لغة وأعقلهم حتى قيل فيه أنه هو والحسن البصري أفصح الناس لغة، وهو وإياس بن معاوية أرجح الناس عقلا، ورغم كل هذه الأفعال التي فعلها، ورغم المرض الذي أصابه قبل موته، إلا أن قراءته للقرآن ودعوته التي قالها قبل أن يموت تجعلك تعيد النظر في الحكم على العباد، خاصة وأن الإسلام ينظر لخواتيم الأعمال.

يقول الحسن البصري: "سمعت كلمة من الحجاج وقذتني إلى العبادة عندما قال في خطبة من خطبه: ( إن امرءًا ذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له لحري أن تطول عليها حسرته يوم القيامة )".

وعند موت الحجاج، سمع الحجاج الناس تقول إن الله لن يغفر للحجاج، فدعا الحجاج ربه قائلا: " إن الناس قد جمعوا على أنك لن تغفر للحجاج فاللهم اغفر للحجاج".

فقال عمر بن عبد العزيز لما سمع هذه الكلمة: (والله إن نجا فبهذه الكلمة).

وعن الأصمعي قال: لما حضرت الحجاج الوفاة أنشأ يقول :

يا رب قد حلف الأعداء واجتهدوا .... بأنني رجل من ساكني النار

أيحلفون على عمياء ويحهم...... ما علمهم بعظيم العفو غفار

قال : فأخبر بذلك الحسن فقال: تالله إن نجا فبهما .


النشأة

ولد الحجاج بن يوسف الثقفي في الطائف (41 هـ = 661م)، ونشأ بين أسرة كريمة من بيوت ثقيف، وكان أبوه رجلا تقيّاً شريفاً، وقضى معظم حياته في الطائف، يعلم أبناءها القرآن الكريم دون أن يتخذ ذلك حرفة أو يأخذ عليه أجرا. وأمه هي الفارعة بنت همام بن الصحابي عروة بن مسعود الثقفي، تزوجها الصحابي المغيرة بن شعبة ثم طلقها وندم، فتزوجها أبو الحجاج.

حفظ الحجاج القرآن، ثم تردد على حلقات أئمة العلم من الصحابة والتابعين، مثل: عبد الله بن عباس، وسعيد بن المسيب، وغيرهم، ثم اشتغل بالتعليم، مثل أبيه. وقد كان من أفصح الناس، حتى قال عنه النحوي أبو عمرو بن العلاء: «ما رأيت أفصح من الحسن البصري، ومن الحجاج».

لفت الحجاج أنظار الخليفة عبد الملك بن مروان، ورأى فيه شدة وحزما وقدرة وكفاءة، وكان في حاجة إليه حتى ينهي الصراع الدائر بينه وبين عبد الله بن الزبير بعدما أعلن نفسه خليفة سنة (64هـ = 683م) بعد وفاة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، ودانت له بالولاء معظم أنحاء العالم الإسلامي، ولم يبق سوى الأردن التي ظلت على ولائها للأمويين، وبايعت مروان بن الحكم بالخلافة، فنجح في استعادة الشام ومصر من قبضة ابن الزبير، ثم توفي تاركا لابنه عبد الملك استكمال المهمة، فانتزع العراق، من مصعب بن الزبير. ثم جهز عبد الملك حملة بقيادة الحجاج؛ للقضاء على دولته تماما.

حاصر الحجاج مكة المشرفة، وضيّق الخناق على ابن الزبير المحتمي بالبيت، وكان أصحابه -بما فيهم ولديه- قد تفرقوا عنه وخذلوه، بسبب سياسته السيئة وشدته على الناس. ولم يبق سوى قلة صابرة، لم تغنِ عنه شيئا، وانتهى القتال باستشهاد ابن الزبير والقضاء على دولته، وعودة الخلافة للدولة الأموية، (73 هـ = 693م) تدين بالطاعة لخليفة واحد، وهو عبد الملك بن مروان. وكان من أثر هذا الظفر أن أسند الخليفة إلى الحجاج ولاية الحجاز مكافأة له على نجاحه، وكانت تضم مكة والمدينة والطائف، ثم أضاف إليه اليمن واليمامة فكان عند حسن ظن الخليفة وأظهر حزما وعزما في إدارته؛ حتى تحسنت أحوال الحجاز، فأعاد بناء الكعبة، وبنى مسجد ابن سلمة بالمدينة المنورة، وحفر الآبار، وشيد السدود.

الحجاج في العراق

بعد أن أمضى الحجاج زهاء عامين واليًا على الحجاز نقله الخليفة واليا على العراق بعد وفاة أخيه بشر بن مروان، وكانت الأمور في العراق بالغة الفوضى والاضطراب. فلبى الحجاج أمر الخليفة وأسرع في سنة (75هـ = 694م) إلى الكوفة، وحشد الناس للجهاد ضد الخوارج، ثم حدثت حركة تمرد في صفوف الجيش، بقيادة ابن الجارود بعد أن أعلن الحجاج عزمه على إنقاص المحاربين من أهل العراق 100 درهم، ولكن الحجاج تمكن من إخماد الفتنة، وعفا عن المتمردين إلا بعض قادتهم. ثم تطلع الحجاج بعد أن قطع دابر الفتنة، وأحل الأمن والسلام إلى استئناف حركة الفتوحات الإسلامية التي توقفت بسبب الفتن والثورات.

بعد إخماد الفتنة، عاود الحجاج سياسة الفتح، واختار القادة الأكفاء، مثل قتيبة بن مسلم الباهلي، الذي ولاه الحجاج خراسان سنة (85هـ = 704م)، وعهد إليه بمواصلة الفتح وحركة الجهاد؛ فأبلى بلاء حسنا، ونجح في فتح ما وراء النهر وانتشر الإسلام في هذه المناطق وأصبح كثير من مدنها مراكز هامة للحضارة الإسلامية مثل بخارى وسمرقند. وهنا نذكر أن مساحة فتوح قتيبة بن مسلم الباهلي وحده، تبلغ أربعين بالمائة من مساحة الاتحاد السوفييتي السابق وثلاثاً وثلاثين بالمئة من مساحة الصين الشعبية في الوقت الحاضر. وأن سكان المناطق التي فتحها في بلاد ما وراء النهر وتركستان الشرقية ضمن الاتحاد السوفييتي والصين لا يزالون مسلمين حتى اليوم، ويعتزون بالإسلام ديناً.

وبعث الحجاج بابن عمه محمد بن القاسم الثقفي لفتح بلاد السند، وكان شابا عمره 17 سنة، ولكنه كان قائدا عظيما موفور القدرة، نجح خلال فترة قصيرة لا تزيد عن خمس سنوات (89-95هـ = 707-713م) في أن يفتح مدن وادي السند (باكستان حالياً)، وكتب إلى الحجاج يستأذنه في فتح قنوج أعظم إمارات الهند التي كانت تمتد بين السند والبنغال فأجابه إلى طلبه وشجعه على المضي، وكتب إليه أن «سر فأنت أمير ما افتتحته»، وكتب إلى قتيبة بن مسلم عامله على خراسان يقول له: «أيكما سبق إلى الصين فهو عامل عليها».

نقط المصحف

ومن أجلِّ الأعمال التي قام بها الحجاج: أمره بتشكيل المصاحف كما ذكرنا ذلك بالتفصيل. ونُسب إليه تجزئه القرآن، ووضع إشارات تدل على نصف القرآن وثلثه وربعه وخمسه، ورغّب في أن يعتمد الناس على قراءة واحدة، وأخذ الناس بقراءة عثمان بن عفان، وترك غيرها من القراءات، وكتب مصاحف عديدة موحدة وبعث بها إلى الأمصار.

مواعظ الحجاج

قال على المنبر: «رحم الله امرؤا جعل لنفسه خطاما وزماما، فقادها لخطامها إلى طاعة الله، وعطفها بزمامها عن معصية الله. فإني رأيت الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذابه».

قال: «اللهم أرني الغي غيا فأجتنبه، وأرني الهدي هدى فأتبعه، ولا تكلني إلى نفسي فأضل ضلالا بعيدا، والله ما أحب أن أمضي من الدنيا بعمامتي هذه، ولما بقي أشبه بما مضى من الماء بالماء».

وقال «أيها الناس، إن الآمال تطوى، والأعمار تفنى، والأبدان تحت التراب تبلى. وإن الليل والنهار يتراكضان كتراكض البريد، يقربان كل بعيد ويبليان كل جديد. وفي ذلك -عباد الله- ما يلهي عن الشهوات ويسلي عن اللذات ويرغب في الباقيات الصالحات».

 «أكثروا من ذكر هادم اللذات الموت. فإنكم إن ذكرتموه في ضيق وسعه عليكم فرضيتم به فأجرتم، وإن ذكرتموه في غنى نغصه عليكم فجدتم به فأثبتم. إن المنايا قاطعات الآمال والليالي مدنيات الآجال، وإن المؤمن بين يومين: يوم قد مضى أحصى فيه عمله فختم عليه، ويوم قد بقي لعله لا يصل إليه. إن العبد عند خروج نفسه وحلول رمسه يرى جزاء ما أسلف وقلة غناء ما خلف. ولعله من باطل جمعه أو من حق منعه».

موته

أصيب الحجاج في آخر عمره وتوفي بمدينة واسط في العشر الأخير من رمضان 95هـ في ليلة القدر.

اضافة تعليق