4 أشخاص انتصروا للقيم .. وخدعوا أبا جهل

الإثنين، 28 يناير 2019 12:39 م
4 أشخاص انتصروا للقيم وخدعوا أبا جهل


أكثر ما يميز تاريخ العرب في الجاهلية بصفة عامة، وبعد الإسلام خاصة، هو الحفاظ على القيم، وهو ما أشار إليه صلى الله عليه وسلم، إلى ما كانوا عليه من قيم وأخلاق، فقال: "إنما بعثت لكي أتمم مكارم الأخلاق".

تكشف كتب السيرة النبوية، قيمة ومكرمة لما كانوا عليه من ذلك، وهي رفضهم للظلم ضد أكبر شخصية استبدادية في عصر الرسالة وهي شخصية "أبي جهل"، الذي كانت تهابه النفوس.

العجيب أن القيمة والإصرار على تنفيذها جاءت من شخصيات كانت على الشرك، وكانت موافقة لقرار سياسي اتخذته قريش، ومع ذلك لما رأوا ظلم هذا القرار، كان لهم رأي آخر، فمن هؤلاء، وما هو القرار.

قرار حصار الرسول وصحابته:
لما رأت قريش  أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزلوا الحبشة، وأصابوا فيه أمنا وقرارا، وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم، وأن عمر قد أسلم، وكان رجلا قويا مهيبا،  امتنع به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبحمزة بن عبد المطلب أيضا ، وجعل الإسلام ينشرفي القبائل، أجمعوا رأيهم واتفق رأيهم على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 وقالوا: قد أفسد علينا أبناءنا ونساءنا فقالوا لقومه: خذوا منا دية مضاعفة وليقتله رجل من غير قريش ويريحنا وتريحون أنفسكم. فأبى قومه بنو هاشم من ذلك وناصرهم بنو عمومتهم من  بني المطلب بن عبد مناف.

فلما عرفت قريش إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد منعه قومه فأجمع المشركون من قريش على حصارهم في  الشعب وأجمعوا وائتمروا أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب على ألا يزوجوهم ولا يتزوجوا منهم،  ولا يبيعوهم شيئا ولا يبتاعوا منهم، ولا يقبلوا منهم صلحا ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل.

ولما كتبوا كتاب الحصار، علقوه في جوف الكعبة تأكيدا على أنفسهم وقطعوا عنهم الأسواق ولم يتركوا طعاما ولا إداما ولا بيعا إلا بادروا إليه واشتروه دونهم، ودعا رسول الله صلي الله عليه وسلم علي من كتب " الصحيفة"، فشلّت يده.

فلما فعلت ذلك قريش انحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب فدخلوا معه في شعبه مؤمنهم وكافرهم، فالمؤمن دينا والكافر حمية.

وفي المقابل خرج من بني هاشم أبو لهب إلى قريش فخالفهم وعاونهم علي رسول الله صلي الله عليه وسلم.
 ولقي هند بنت عتبة بن ربيعة حين فارق قومه وظاهر عليهم قريشا فقال: يا بنت عتبة هل نصرت اللات والعزى وفارقت من فارقها وظاهر عليها؟ قالت: نعم جزاك الله خيرا يا أبا عتبة.
وعن ابن عباس- رضي الله عنهما-  قال: حصرنا في الشعب ثلاث سنين وقطعوا عنا الطعام حتى إن الرجل ليخرج بالنفقة فما يشتريحتى يرجع، حتى هلك من هلك.

وأقاموا على ذلك ثلاث سنين حتى جهدوا، ولا يصل إليهم شيء إلا سرا مستخفيا به من أراد صلتهم من قريش.

وقد كان أبو جهل لقي حكيم بن حزام معه غلام يحمل قمحا يريد به عمته خديجة وهي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب، فتعلق به وقال: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم؟! لا تذهب أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة.

 فقال له أبو البختري ابن هشام بن الحارث- مات كافرا-: طعام كان لعمته عنده أفتمنعه أن يأتيها بطعامها؟ خل سبيل الرجل. فأبى أبو جهل حتى نال كل واحد منهما من صاحبه فأخذ أبو البختري بعظم بعير فضربه به فشجه ووطئه وطئا شديدا، وحمزة بن عبد المطلب قريب يرى ذلك وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيشمتوا بهم.
وكان أبو طالب في طول مدتهم في الشعب يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأتي فراشه كل ليلة حتى يراه من أراد به شرا أو اغتيال، فإذا نام أمر أحد بنيه أو إخوته أو بني عمه فاضطجع على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بعض فرشهم فيرقد عليه.

نقض الصحيفة وانتصار القيم:
مرت ثلاثة أعوام كاملة والأمر على ذلك، وفي المحرم سنة عشر من النبوة حدث نقض الصحيفة وفك الميثاق، وذلك أن قريشا كانوا بين راض بهذا الميثاق وكاره له، فسعى في نقض الصحيفة من كان كارها لها.

وكان القائم بذلك هشام بن عمرو من بني عامر بن لؤي- وكان يصل بني هاشم في الشعب مستخفيا بالليل بالطعام- فإنه ذهب إلى زهير بن أبي أمية المخزومي- وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب- عمة النبي صلي الله عليه وسلم ، وقال: يا زهير، أرضيت أن تأكل الطعام، وتشرب الشراب، وأخوالك بحيث تعلم؟ فقال: ويحك، فما أصنع وأنا رجل واحد؟ أما والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها، قال: قد وجدت رجلا. قال: فمن هو؟ قال: أنا قال له زهير:
اطلب لنا رجلا ثالثا؟
فذهب إلى المطعم بن عدي، فذكّره أرحام بني هاشم وبني المطلب ، حيث يجمعهم جد واحد هو "عبد مناف"، ولامه على موافقته لقريش على هذا الظلم، فقال المطعم: ويحك، ماذا أصنع؟
إنما أنا رجل واحد، قال: قد وجدت ثانيا، قال: من هو؟ قال: أنا قال: ابغنا ثالثا، قال قد فعلت. قال: من هو؟ قال: زهير بن أبي أمية، قال: اطلب لنا رابعا؟

فذهب إلى أبي البختري بن هشام، فقال له نحوا مما قال للمطعم، فقال: وهل من أحد يعين على هذا؟ قال: نعم،  قال: من هو؟ قال: زهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدي، وأنا معك، قال: ابغنا خامسا.

فذهب إلى زمعة بن الأسود ، فكلمه، وذكر له قرابتهم وحقهم، فقال له: وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد؟ قال: نعم ثم سمى له القوم، فاجتمعوا، وتعاقدوا على القيام بنقض الصحيفة، وقال زهير: أنا أبدأكم فأكون أول من يتكلم.
فلما أصبحوا ذهبوا إلي أندية قريش، وعلي زهير عليه ثوب جميل، فطاف بالبيت سبعا، ثم أقبل على الناس، فقال: يا أهل مكة أنأكل الطعام، ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى، لا يباع ولا يبتاع منهم؟ والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة.

قال أبو جهل- وكان في ناحية المسجد-: كذبت، والله لا تشق.
 فقال: زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب،  ما رضينا كتابتها حيث كتبت.

وقال أبو البختري: صدق زمعة، لا نرضى ما كتب فيها ولا نقر به.
قال المطعم بن عدي: صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها.

وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك.
فقال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل، تشاوروا فيه بغير هذا المكان.

مكافأة ربانية:
وبعث الله تعالى علي صحيفتهم دابة يقال لها "الأَرَضَة" فأكلت أو لحست ما في الصحيفة من عهد وميثاق- وفي رواية أنها لم تترك في الصحيفة اسما لله إلا لحسته وأبقت ما كان من شرك أو ظلم أو قطيعة.

وأطلع الله سبحانه وتعالى رسوله على ذلك فذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب، فانطلق بعصابة من بني هاشم وبني المطلب حتى أتوا المسجد وهم خائفون لقريش، فلما رأتهم قريش في جماعة أنكروا ذلك وظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء ليسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم برمته إلى قريش؟
وتكلم أبو طالب فقال: جرت أمور بيننا وبينكم لم نذكرها لكم، فأتوا بصحيفتكم التي فيها مواثيقكم فلعله أن يكون بيننا وبينكم صلح.

وإنما قال ذلك أبو طالب خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها.

فأتوا بصحيفتهم لا يشكّون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيسلّم إليهم، فوضعوها بينهم وقالوا لأبي طالب: قد آن لكم أن ترجعوا عما أحدثتم علينا وعلى أنفسكم.

 فقال أبو طالب: إنما أتيتكم في أمر هو نصف بيننا وبينكم: أن ابن أخي أخبرني ولم يكذبني أن هذه الصحيفة التي في أيديكم قد بعث الله تعالى عليها دابة فأبقت اسم الله وأكلت غدركم وتظاهركم علينا بالظلم- وفي رواية: فلم تترك فيها اسما لله تعالى إلا لحسته وتركت غدركم وتظاهركم علينا بالظلم فإن كان كما يقال فلا والله لا نسلمه حتى نموت من عند آخرنا، وإن كان الذي يقول باطلا دفعنا إليكم صاحبنا فقتلتم أو استحييتم.

 فقالوا: قد رضينا بالذي تقول، ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم قد أخبر بخبرها قبل أن تفتح.

فلما رأت قريش صدق ما جاء به أبو طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: هذا سحر ابن أخيك، وزادهم ذلك بغيا وعدوانا.

وقال أبو طالب: يا معشر قريش علام نحصر ونحبس وقد بان الأمر وتبين أنكم أولى بالظلم والقطيعة والإساءة. ثم دخل هو وأصحابه بين أستار الكعبة فقال: اللهم انصرنا على من ظلمنا وقطع أرحامنا واستحل ما يحرم عليه منا. ثم انصرفوا إلى الشعب.

اضافة تعليق