وجوه تجاوزت التسعين ورسم عليها الكد ثمرة ما عملته أيديها

الإثنين، 28 يناير 2019 10:38 ص
images (1)


تمتلئ الأسواق والأزقة المصرية بقصص الكفاح التي تقوم ببطولتها المسنات التي يملأ وجوههن الشقا والكد من أجل لقمة العيش، فلا تدخل سوقا للخضروات في أي مكان في مصر، حتى تجد السيدة العجوز التي تقعد على الأرض ويزيد عمرها على التسعين عاما، وأمامها بعض الخضروات التي تتكسب منها، طلبا للرزق، رغم أنه من المفترض أن يكفلها المجتمع، إلا أن كرامتها تأبى أن تكون عالة عليه، وتصر رغم مرضها أو كبر سنها وعجزها أن تقوم على نفسها، وربما على غيرها أيضا، من خلال هذه الجنيهات التي تتكسبها وتقيم بها صلبها.

فما بين بائعة الجرجير، وبين بائعة المناديل، وبائعة الخضروات والجبن القديم، تجد هؤلاء مازالت تتمسكن بالأمل في الحياة وطلب الرزق، مصداقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها".

وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تَقوم حتى يَغرِسَها، فليَغرِسْها".

ويدل الحديث على الترغيب العظيم في اغتِنام آخر فرصة من الحياة، والترغيب في زرع ما ينتفع به الناس بعد الموت؛ ليجري أجرُه للإنسان، وتُكتَب له صدقته إلى يوم القيامة.


و ضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل بالفسيلة، وهي: صغار النَّخل، ولا يلزم من ذلك أنه إذا كان بيد الإنسان شيء آخر غير الفسيلة أن يدَعه ولا يتصرف فيه، فعلى المسلم ألا يتوانى في عمل الخير، وأن يكون إيجابيا وفاعلاً في حياته ومجتمعه، ويحرص على الوقت فهو حياة الإنسان، وألا يترك التفاؤل والأمل، والتطلُّع إلى المستقبل بنظرة مشرقة، والتمسك بالعمل، وبذل الأسباب، وعدم الركون إلى العجز والكسل.

وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من مسلم يغرس غرساً إلا كان ما أكل منه له صدقة، وما سرق منه له صدقة، وما أكل السبع منه فهو له صدقة، وما أكلت الطير فهو له صدقة، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة)).

ومن الأمور التي لابد أن يتعلمها المسلم من هذا الحديث أن الأرض والسماء حسبة واحدة لا ينفك أحدهما عن الآخر، فالدنيا هي الطريق إلى الآخرة، فهما ليسا طريقين منفصلين أحدهما للدنيا، والآخر للآخرة، وإنما هو طريق واحد يشمل هذه وتلك، ويربط ما بين هذه وتلك، ليس هناك طريق للآخرة اسمه العبادة، وطريق للدنيا اسمه العمل، وإنما هو طريق واحد أوله في الدنيا وآخره في الآخرة، وهو طريق لا يفترق فيه العمل عن العبادة، ولا العبادة عن العمل، كلاهما شيء واحد في نظر الإِسلام.

فالأمة الإسلامية تنتصر دائما بالمعنويات العالية، والنفوس المتفائلة، والأرواح السليمة، فلا يأس مع الحياة، والعمل في الأرض لا ينبغي أن ينقطع لحظة واحدة بسبب اليأس من النتيجة، فحتى حين تكون القيامة بعد لحظة، حين تنقطع الحياة الدنيا كلها، حين لا تكون هناك ثمرة من العمل؛ حتى عندئذ لا يكف الناس عن العمل، وعن التطلع للمستقبل، ومن كان في يده فسيلة فليغرسها.

وفي هذا المقصد العظيم دعوة للمسلمين بألا ييأسوا، ولا يقنطوا، بل يرموا البذور والله يتولى الصالحين.

اضافة تعليق