أيهما أخطر على الإنسان .. حب المال" أم " حب الجاه"

الأحد، 27 يناير 2019 11:19 ص
أيهما أخطر على الإنسان ..حب المال أم  حب الجاه


لا يوجد أحد من البشر يكره المال أو أن يكون له مكانة في قلوب الناس وهو ما يسمي بـ"الجاه".
ويعتبر المال والجاه هما ركيزة وركني الدنيا، والمال ملك للأموال، والجاه ملك للقلوب.
والجاه هو قيام المنزلة لشخص ما  في قلوب الناس، إما من علم أو عبادة، أو نسب أو قوة، أو حسن صورة، أو غير ذلك مما يعتقده الناس كمالاً فبقدر ما يتعقدون له من ذلك، تذعن قلوبهم لطاعته، ومدحه وخدمته، وتوقيره.
وهذا يبين أن الجاه محبوب بالطبع وأنه أبلغ من حب المال، لأن المال لا يتعلق الغرض بعينه، بل لكونه وسيلة إلى المحبوبات، فاشتراك الجاه والمال في السبب اقتضى الاشتراك في المحبة، والجاه في ذلك أرجح من المال.
ولكن من الجاه ما يحمد وما يذم، لأن من المعلوم أنه لابد للإنسان من مال لضرورة المطعم والملبس ونحوهما، فكذلك لابد له من جاه لضرورة المعيشة مع الخلق، لأن الإنسان لا يخلو من الحاجة إلى سلطان يحرسه، ورفيق يعينه، وخادم يخدمه، فحبه ذلك ليس بمذموم، لأن الجاه وسيلة إلى الأغراض، كالمال.
ومتى طلب الإنسان قيام جاهه لأجل صفة هو متصف بها لغرض صحيح، كقول يوسف عليه السلام: "اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ" ، أو قصد إخفاء عيب من عيوبه لئلا تزول منزلته، كان ذلك مباحاً، فإن طلب المنزلة باعتقادهم فيه صفة ليست فيه، كالعلم، والورع، والنسب، فذلك محظور.
وكذلك لو حسن الصلاة بين أيديهم ليعتقدوا فيه الخشوع،  فإنه يكون مرائياً بذلك، فلا يجوز تملك القلوب بتزوير، ولا تملك المال بخديعة.

ومن غلب على قلبه حب الجاه، صار مقصور الهم على مراعاة الخلق، مشغوفاً بالتردد إليهم، والمرآة لهم، ولا يزال في أقواله وأفعاله ملتفتاً إلى ما يعظم منزلته عندهم، وذلك بذر النفاق، وأصل الفساد، لأن كل من طلب المنزلة في قلوب الناس اضطر أن ينافقهم بإظهار ما هو خال عنه، ويجر ذلك إلى المراءاة بالعبادات واقتحام المحظورات، والتوصل إلى اقتناص القلوب.
وقد شبه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حب المال والشرف وإفسادهما للدين بذئبين جائعين أطلقا في غنم فأفسداها.
فحب الجاه إذاً من المهلكات، يجب علاجه وعلاجه مركب من علم وعمل، أما الأول، فهو أن يعلم أن السبب الذي لأجله أحب الجاه، هو كمال القدوة على أشخاص الناس وقلوبهم، وذلك إذا صفا وسلم يكون في آخره الموت فينبغي أن يتفكر في نفسه في الأخطار والآفات اللاحقة لأصحاب الجاه في الدنيا، من تطرق الحسد إليهم، وقصدهم بالإيذاء، فتراهم خائفين على الدوام من زوال جاههم، محترزين من تغيير منزلتهم في القلوب.
والقلوب أشد تغيراً من القدور في غليانها، فمن اشتغل بمراعاة ذلك لاحقته الهموم.
وقد روى أن بعض الملوك قصد زيارة رجل زاهد، فلما قرب منه، استدعى طعامه وبقلاً ولبناً وجعل يأكل بشره، ويعظم اللقمة فلما نظر إليه الملك سقط من عينه، وقد فعل الزاهد ذلك ليصرف الملك عنه،ولا يتعلق بجاهه.
ولما أريد إبراهيم النخعى على القضاء لبس قميصاُ أحمر وقعد في السوق.
كذلك يجب على الإنسان أن يحذر من انقطاع الزاهد عن الناس لأنه يوجب جاهاً له عندهم، فإذا خاف من تلك الفتنة، فليخالطهم على وجه السلامة، وليمش في الأسواق، وليشتر حاجته ويحملها، وليقطع طمعه من دنياهم، وقد تم مراده.

اضافة تعليق