موقف لا ينسى.. كيف أنقذ "ابن تيمية" القضاة من قتل السلطان

السبت، 26 يناير 2019 11:10 ص
موقف لا ينسي .. كيف أنقذ ابن تيمية القضاة من قتل السلطان

التنافس والحسد بين العلماء وارد، وهو "مذموم في الأقران موفور الوجود" كما يقول الذهبي.

لكن تظهر قوة العالم وتعلقه بربه، وثمرة العلم عليه عندما ينضم السلطة والقوة إلى جانبه وإلى فتواه، حيث يكون خصومه في قبضته، وهذا ما حدث مع شيخ الإسلام "ابن تيمية" الذي طلب منه السلطان أي يقتل مخالفيه من العلماء.

الحكاية كاملة ذكرها الحافظ ابن كثير، وذلك أن السلطان " الناصر" محمد بن قلاوون، كان قد حيكت ضده مؤامرات وخلع من السلطة أكثر من مرة، وعندما ثبت نفسه في الملك، كان شيخ الإسلام "ابن تيمية" محبوسًا في القلعة.

يقول ابن كثير:  ولما دخل السلطان إلى مصر يوم عيد الفطر لم يكن له دأب إلا طلب الشيخ تقي الدين بن تيمية من الإسكندرية معززًا مكرمًا مبجلاً، فوجه إليه في ثاني يوم من شوال بعد وصوله بيوم أو يومين، فقدم الشيخ تقي الدين على السلطان في يوم ثامن الشهر.

وخرج مع الشيخ خلق من الإسكندرية يودعونه، واجتمع بالسلطان يوم الجمعة، فأكرمه وتلقاه ومشى إليه في مجلس حافل، فيه قضاة المصريين والشاميين، وأصلح بينه وبينهم.

ونزل الشيخ إلى القاهرة وسكن بالقرب من مشهد الحسين، والناس يترددون إليه، والأمراء والجند وكثير من الفقهاء والقضاة منهم من يعتذر إليه ويتنصل مما وقع منه، فقال أنا سامحت كل من آذاني.

 

تفاصيل الحديث بين ابن تيمية والسلطان

لما قدم الشيخ تقي الدين بن تيمية على السلطان نهض قائمًا للشيخ أول ما رآه، ومشى له إلى طرف الإيوان واعتنقا هناك، ثم أخذ معه ساعة إلى طبقة فيها شباك إلى بستان، فجلسا ساعة يتحدثان، ثم جاء ويد الشيخ في يد السلطان، فجلس السلطان وعن يمينه ابن جماعة قاضي مصر، وعن يساره ابن الخليلي والوزير.

وقد طرحت مسألة لم يجسر أحد أن يتكلم فيها سوى ابن تيمية، حيث قال للسلطان: "حاشاك أن يكون أول مجلس جلسته في أبهة الملك تنصر فيه أهل الذمة لأجل حطام الدنيا الفانية، فاذكر نعمة الله عليك إذ رد ملكك إليك، وكبت عدوك ونصرك على أعدائك".

وقد كان السلطان أعلم بالشيخ ابن تيمية من جميع الحاضرين، ودينه وزينته وقيامه بالحق وشجاعته.

يقول ابن كثير: "وسمعت الشيخ تقي الدين يذكر ما كان بينه وبين السلطان من الكلام لما انفردا في ذلك الشباك الذي جلسا فيه، وأن السلطان استفتى الشيخ في قتل بعض القضاة بسبب ما كانوا تكلموا فيه، وأخرج له فتاوى بعضهم عزله من الملك ومبايعة الجاشنكير، وأنهم قاموا عليك وآذوك أنت أيضًا، وأخذ يحثه بذلك على أن يفتيه في قتل بعضهم، وإنما كان حنقه عليهم بسبب ما كانوا سعوا فيه من عزله ومبايعة الجاشنكير.

ففهم الشيخ مراد السلطان فأخذ في تعظيم القضاة والعلماء، وأنكر ابن تيمية أن ينال أحدًا منهم بسوء، وقال له: إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم، فقال له إنهم قد آذوك وأرادوا قتلك مرارًا، فقال الشيخ من آذاني فهو في حلّ مما آذاني به، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه، وأنا لا أنتصر لنفسي، وما زال به حتى حلم عنهم السلطان وصفح.

قال: وكان قاضي المالكية ابن مخلوف يقول: ما رأينا مثل ابن تيمية حرضنا عليه فلم نقدر عليه وقدر علينا فصفح عنا وحاجج عنا، ثم إن الشيخ بعد اجتماعه بالسلطان نزل إلى القاهرة وعاد إلى بث العلم ونشره، وأقبلت الخلق عليه ورحلوا إليه يشتغلون عليه ويستفتونه ويجيبهم بالكتابة والقول.

 وجاء الفقهاء يعتذرون مما وقع منهم في حقه فقال: قد جعلت الكل في حلّ، وبعث الشيخ كتابا إلى أهله يذكر ما هو فيه من نعم الله وخيره الكثير، ويطلب منهم جملة من كتب العلم.

اضافة تعليق