احذر كثرة الحلف.. تفقد الثقة وتفتح باب الكذب وتستخف بأسماء الله

الجمعة، 25 يناير 2019 02:33 م
كثرة الحلف


قال الإمام الشافعي رحمه الله: «ما حلفت بالله تعالى لا صادقًا ولا كاذبًا قط»، فانظر إلى حرمته وتوقيره لله تعالى، ودلالة ذلك على علمه بجلال الله سبحانه.

وسُئل الشافعي رضي الله عنه عن مسألةٍ فسكت، فقيل له: ألا تُجيب رحمك الله؟ فقال: «حتى أدري الفضل في سكوتي أو في جوابي». يفكر هل يتكلم أم لا.

وكان يقول رحمه الله : الكلمة تملكها حتى تنطق بها فهي تملكك.

فانظر في مراقبته للسانه مع أنه أشد الأعضاء تسلطًا على الفقهاء، وأعصاها عن الضبط والقهر، وبه يستبين أنه كان لا يتكلم، ولا يسكت إلا لنيل الفضل، وطلب الثواب.


واللغو والكذب يؤثر تأثيرًا قويًا في القلب، وأن من تأثيره أن يهون المنكر علينا، والشرع ينبهنا إلى ضرورة ألا نستجيب لألسنتنا قبل أن ينفرط العقد، وينهار الحال الذي نحن فيه وصولاً إلى الاستماع للغيبة، والنميمة، والكذب، والبهتان، والضجيج.


ومن اللغو كثرة الحلف بالله أو بغيره وهي العادة التي تجري على ألسنة العامة بضرورة أو بغير ضرورة دون أن يدركوا العواقب الوخيمة التي تنتظرهم نتيجة هذا الحلف.. ولا شك أن كثرة الحلف تؤدي إلى التهاون بقدر الله تعالى وبأسمائه وصفاته لإقحام لفظ الجلالة في أمور دنيوية تافهة لا تسمو لمنزلة الخالق سبحانه وتعالى، كما أن كثرة الحلف دليل على ثقة الإنسان في نفسه مما يترتب عليه فقدان ثقة الآخرين فيه.


ويتدخل الشرع مرة أخرى ليقول للإنسان: إياك أن تقسم على شيء وأنت تعلم أنك كاذب، لأن القسم مع العلم بالكذب سلفًا يعرض صاحبه إلى خطر عظيم، ومثل هذه اليمين قد لقبها الشرع بلقبين أحدهما؛ أنها اليمين الفاجرة، وثانيهما أنها اليمين الغموس لأنها تغمس صاحبها في جهنم يوم القيامة.

وهذا النوع من التشدد مكافئ تمامًا لمن أقسم يتعمد الكذب، أما أولاً فلأن صاحبها قد هانت مكانة ربه في نفسه وفي ذلك إخلال بالعقيدة، وأما ثانيًا فإنه بفعلته هذه قد أضاع الحقوق وزيف الواقع وفي ذلك من الأخطار الاجتماعية ما فيه ولقد ذهب بعض العلماء إلى أن اليمين الغموس لخطورتها لا كفارة لها.



وفي هذا الإطار، يؤكد الدكتور عبدالرحمن العدوي أستاذ الفقه في جامعة الأزهر في مقال له بمجلة الازهر، أن الإكثار من الأيمان والحلف بالله ليس من خلق المسلم الذي يخاف الله تعالى ويتقي حسابه وغضبه، فقد نهى الله تعالى المؤمنين عن أن يجعلوا اسم الله تعالى هدفًا لأيمانهم فيبتذلوه بكثرة الحلف به في كل حق وباطل فإن من شأن الذي يكثر الحلف أن تقل ثقة الناس به وبأيمانه.


وقد ذم الله تعالى من يكثر الحلف فقال: ولا تطع كل حلاف مهين وأمر بحفظ الأيمان فقال: واحفظوا أيمانكم وكلما كان الإنسان أكثر تعظيماً لله كان أكمل في العبودية، ومن كمال التعظيم أن يكون ذكر الله تعالى أجل وأعلى عنده من أن يستشهد به في غرض دنيوي أو يتجرأ على الحلف به كذبا لذلك سمى العلماء اليمين الكاذبة باليمين الغموس لأنها تغمس صاحبها في الإثم أو في نار جهنم لأن الحالف استهان باسم الله تعالى وأقسم به وهو يعلم أنه كاذب في يمينه، وهذه اليمين لعظم الذنب فيها لا كفارة لها ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن أبي هريرة أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: خمس ليس لهن كفارة الشرك بالله وقتل النفس بغير حق وبهت مؤمن والفرار يوم الزحف ويمين صابرة يقتطع بها مالاً بغير الحق وهذه اليمين لا يكفرها إلا التوبة والندم ومداومة الاستغفار وعدم العودة لمثلها والإكثار من الصدقة والاستقامة على أمر الله وطاعته ورد المظالم إلى أهلها إن ترتب عليها مظلمة لأحد والله غفور رحيم.


وأضاف العدوي أن اللغو من الكلام الساقط الذي لا يعتد به ولا يصدر عن فكر وروية قال تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم.. واليمين اللغو هي التي لا يقصدها الحالف بل تجري على لسانه من غير قصد وقد فسرت السيدة عائشة هذه اليمين بقولها: اللغو في اليمين هو كلام الرجل في بيته كلا والله وبلى والله لا تنعقد عليه قلوبهم.. أي تجري على ألسنتهم ألفاظ اليمين ولكن من دون قصد يمين.


وقال إن الحلف نوع من التعظيم للمحلوف به ولا يجوز أن يعظم المؤمن غير الله عز وجل فلهذا لا يجوز أن يحلف بالكعبة بل يحلف برب الكعبة ولا يجوز أن يحلف بالنبي أو الولي أو بقبر أبيه أو بشرفه أو بحياة ولده أو بتراب وطنه أو بشيء من ذلك، كل هذا لا يجوز وإنما الحلف بالله فقط.. هذا هو الذي جاء به الإسلام وهو نوع من تحرير العقيدة وتحرير التوحيد، فالحلف تعظيم للمحلوف به لا يليق إلا بالله ويجب توقير اليمين بالله فلا يكثر منها المؤمن ولا يحلف إلا عند الحاجة وفي حالة الصدق والبر لأن كثرة الحلف أو الكذب فيها يدلان على الاستخفاف بالله وعدم التعظيم له وهذا ينافي كمال التوحيد، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم وجاء فيه: ورجل جعل الله بضاعته لا يشتري إِلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه.. فقد شدد الوعيد على كثرة الحلف مما يدل على تحريمه احتراما لاسم الله تعالى وتعظيما له سبحانه وقد وصف الله المنافقين بأنهم يحلفون على الكذب وهم يعلمون.



وكثرة حلف الأيمان من الناس تدل على نقصان ثقتهم بعضهم ببعض فيلجأون الى الحلف حتى يصدقوا في ما يقولون وهذه حال أكثر التجار فإنهم يكثرون من الأيمان ليصدقهم الناس في كلامهم.


وكثرة الحلف مكروهة إذا كان الحالف صادقاً لأنه جعل الله عرضة لأيمانه وقد أساء فيه إذ الدنيا أخس من أن يقصد ترويجها بذكر اسم الله من غير ضرورة.. أما إذا كان الحالف كاذباً متعمداً للكذب فقد وقع في الحرام قال تعالى: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم.. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كثرة الحلف في البيع والشراء ويلحق به غيرهما من وجوه التعامل بين الناس فقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة ومعنى تمحق البركة أي تذهبها وقد تذهب رأس المال وقد يتعدى المحق إلى الحالف فيعاقب بإهلاكه وبتوالي المصائب عليه وقد يتعدى ذلك إلى خراب بيته وبلده.


وأما محق الحسنات في الآخرة فلا بد منه لمن لم يتب وسبب هذا كله أن اليمين الكاذبة يؤكل بها مال المسلم بالباطل وجاء في الحديث عن عبدالله بن أبي أوفى أن رجلاً أقام سلعة وهو في السوق فحلف بالله لقد أعطي بها ما لم يعط ليوقع فيها رجلاً من المسلمين فنزلت الآية: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا.. وقد ورد في أحاديث أخرى عقوبات غير ذلك منها ما ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من حلف على يمين وهو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان.


اضافة تعليق