الحاكم الذكي.. قضى على الفساد بهذه الطريقة

الجمعة، 25 يناير 2019 10:38 ص
الحاكم الذكي.. قضى على الفساد بهذه الطريقة


الخليفة العباسي المعتضد بالله، كان من أشجع الناس، ومن رجالات قريش حزما وجرأة وإقداما وحزمة، اجتاز في بعض أسفاره بقرية فيها خضروات، فوقف صاحبها صائحًا مستصرخًا بالخليفة فاستدعى به، فسأله عن أمره فقال: إن بعض الجيش أخذوا لي شيئًا من القثاء وهم من غلمانك.

 

فقال: أتعرفهم؟ فقال: نعم. فعرضهم عليه فعرف منهم ثلاثة فأمر الخليفة بتقييدهم وحبسهم، فلما كان الصباح نظر الناس ثلاثة أنفس مصلوبين على جادة الطريق، فاستعظم الناس ذلك واستنكروه وعابوا ذلك على الخليفة، وقالوا: قتل ثلاثة بسبب قثاء أخذوه؟

 فلما كان بعد قليل أمر الخواص - وهو مسامره - أن ينكر عليه ذلك ويتلطف في مخاطبته في ذلك والأمراء حضور، فدخل عليه ليلة وقد عزم على ذلك، ففهم الخليفة ما في نفسه من كلام يريد أن يبديه، فقال له: إني أعرف أن في نفسك كلامًا فما هو؟ فقال: يا أمير المؤمنين وأنا آمن؟ قال: نعم.


قلت له: فإن الناس ينكرون عليك تسرعك في سفك الدماء. فقال: والله ما سفكت دمًا حرامًا منذ وليت الخلافة إلا بحقه.

فقلت له: فعلام قتلت الثلاثة الذين قتلتهم على القثاء؟ فقال: والله ما كان هؤلاء الذين أخذوا القثاء، وإنما كانوا لصوصًا قد قتلوا وأخذوا المال فوجب قتلهم، فبعثت فجئت بهم من السجن فقتلتهم وأريت الناس أنهم الذين أخذوا القثاء، وأردت بذلك أن أرهب الجيش لئلا يفسدوا في الأرض ويتعدوا على الناس ويكفوا عن الأذى.

ثم أمر بإخراج أولئك الذين أخذوا القثاء فأطلقهم بعد ما استتابهم وخلع عليهم وردهم إلى أرزاقهم.

 وخرج المعتضد يومًا، فعسكر بباب قال له الشماسية ونهى أن يأخذ أحد من بستان أحد شيئًا، فأتي بأسود قد أخذ بعض العناقيد من البستان، فتأمله طويلاً ثم أمر بضرب عنقه، ثم التفت إلى الأمراء فقال: العامة ينكرون هذا ويقولون إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا قطع في ثمر ولا كثر" .

ولم يكفه أن يقطع يده حتى قتله، وقال: إني لم أقتل هذا على سرقته، وإنما هذا الأسود رجل من الزنج كان قد استأمن في حياة أبي، وإنه تقاول هو ورجل من المسلمين، فضرب المسلم فقطع يده فمات المسلم، فأهدر أبي دم الرجل المقتول تأليفًا للزنج، فآليت على نفسي لئن أنا قدرت عليه لأقتلنه، فما قدرت عليه إلا هذه الساعة فقتلته بذلك الرجل.

ويقول أحد الرواة: دخلت على المعتضد وعلى رأسه أحداث روم صباح الوجوه، فنظرت إليهم فرآني المعتضد وأنا أتأملهم، فلما أردت القيام أشار إلي فجلست ساعة فلما خلا قال لي أيها القاضي والله ما حللت سراويلي على حرام قط.

ودخل عليه القاضي ابن سريج، يومًا: فدفع إليه كتابا فقرأته فإذا فيه الرخص من زلل العلماء قد جمعها بعض الناس - فقلت: يا أمير المؤمنين إنما جمع هذا زنديق.

فقال: كيف؟ فقلت: إن من أباح المتعة لم يبح الغناء، ومن أباح الغناء لم يبح إضافته إلى آلات اللهو، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه، فأمر بتحريق ذلك الكتاب.

وكان المعتضد يومًا نائمًا وقت القائلة ونحن حول سريره فاستيقظ مذعورا ثم صرخ بنا فجئنا إليه، فقال: ويحكم اذهبوا إلى دجلة فأول سفينة تجدوها فارغة منحدرة فأتوني بملاحها واحتفظوا بالسفينة.

فذهبنا سراعًا فوجدنا ملاحًا في سفينة فارغة منحدرًا فأتينا به الخليفة لما رأى الملاح الخليفة كاد أن يتلف، فصاح به الخليفة صيحة عظيمة فكادت روح الملاح تخرج.

 فقال له الخليفة: ويحك يا ملعون، اصدقني عن قصتك مع المرأة التي قتلتها اليوم وإلا ضربت عنقك قال فتلعثم ثم قال: نعم يا أمير المؤمنين كنت اليوم سحرا في مشرعتي الفلانية، فنزلت امرأة لم أر مثلها وعليها ثياب فاخرة وحلي كثير وجوهر، فطمعت فيها واحتلت عليها فشددت فاها وغرقتها وأخذت جميع ما كان عليها من الحلي والقماش، وخشيت أن أرجع به إلى منزلي فيشتهر خبرها، فأردت الذهب به إلى واسط فلقيني هؤلاء الخدم فأخذوني.

فقال: وأين حليها؟ فقال: في صدر السفينة، فأمر الخليفة عند ذلك بإحضار الحلي فجئ به فإذا هو حلي كثير يساوي أموالاً كثيرة، فأمر الخليفة بتغريق الملاح في المكان الذي غرق فيه المرأة.

وأمر أن ينادى على أهل المرأة ليحضروا حتى يتسلموا مال المرأة: فنادى بذلك ثلاثة أيام في أسواق بغداد وأزقتها فحضروا بعد ثلاثة أيام فدفع إليهم ما كان من الحلي وغيره مما كان للمرأة، ولم يذهب منه شئ.

فقال له خدمه: يا أمير المؤمنين من أين علمت هذا؟ قال: رأيت في نومي تلك الساعة شيخًا أبيض الرأس واللحية والثياب وهو ينادي: يا أحمد يا أحمد، خذ أول ملاح ينحدر الساعة فاقبض عليه وقرره عن خبر المرأة التي قلتها اليوم وسلبها، فأقم عليه الحد، وكان ما شاهدتم.

اضافة تعليق