كيف تحمي المغفرة والتوبة المجتمعات؟ الشعرواي يجيبك

الخميس، 24 يناير 2019 03:58 م


يقول العلامة الراحل الشيخ محمد متولي الشعراوي:

لما كان الإنسان عُرْضة لأغيار لا يثبت على حال يتقلب بين عافية ومرض، بين غني وفقر، فكل ما فيه موهوب له لا ذاتي فيه، لذلك إياك أن تحزن حين يفوتك شيء من النعمة؛ لأنها لن تبقى ولن تدوم، وهَبْ أنك بلغتَ قمة النعيم، فماذا تنتظر إلا أنْ تزول، كما قال الشاعر:

إذَا تَمَّ شَيْءٌ بَدَا نَقْصُه *** تَرقَّبْ زَوَالاً إِذَا قِيلَ تَمّ

فإذا تَمَّ لك الشيء، وأنت ابْنُ أغيار، ولا يدوم لك حال فلابد لك أن تنحدر إلى الناحية الأخرى.

فكأن نقص الإنسان في آماله في الحياة هي تميمة حراسة النعم، وما فيه من نقص أو عيب يدفع عنه حسد الحاسد، كما قال الشاعر في المدح:

شَخَصَ الأنَامُ إلى كَمَالِكَ *** فَاسْتِعذْ مِنْ شَرِّ أعينهِمْ بِعيْبٍ وَاحِدٍ

أي: أن الأعين متطلعة إليك، فاصرفها عنك، ولو بعيب واحد يذكره الناس وينشغلون به.

وفي الريف يعيش بعض الفلاحين على الفطرة، فإنْ رُزِق أحدهم بولد جميل وسيم يلفت نظر الناس إليه. وتراهم يتعمدون إهمال شكله ونظافته، أو يضعونَ له "فاسوخة" دفعًا للحسد وللعين.

لذلك فالمرأة التي دخلت على الخليفة، فقالت له: أتم الله عليك نعمته، وأقر عينك، ففهم الحضور أنها تدعو له، فلما خرجت قال الخليفة: أعرفتم ما قالت المرأة؟ قالوا: تدعو لك، قال: بل تدعو علي، فقد أرادت بقولها: أتم الله عليك نعمته تريد أزالها؛ لأن النعمة إذا تمت لم يَبْقَ لها إلا الزوال، وقولها: أقَرَّ الله عينكَ تريد: أسكنها عن الحركة.

إذن: لا تغضَب إن قالوا عنك: ناقص في كذا، فهذا النقص هو تميمة الكمال، ويريدها الله لك لمصلحتك أنت.

وما دام الإنسان ابن أغيار، فلابد أن يغفل عن منهج الله، فتكون له سقطات وهفوات تحتاج إلى غفران؛ لذلك يقول تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ...}.

وقد شرع الحق سبحانه وتعالى المغفرة والتوبة ليحمي المجتمعات من شرار الناس فيها، فالشرير إذا ارتكب جريمة ولم يجد له فرصة للمغفرة والتوبة، فإنه يستمرىء الجريمة، بل ويبالغ فيها.

أما إذا فُتِح له باب التوبة والمغفرة فإن هذا يرحم المجتمع من شراسة أصحاب السوء.

والله عز وجل ليس غافرًا للذنوب فحسب، بل هو غفار لها، وكلما عدت إليه غفر لك، ولكن وَطِّن نفسك أنك إذا فعلت الذنب وتبت منه فلا تعد إليه، ولا ترتب وتخطط لمعصيتك على أمل أن تتوب، فما يدريك أن تعيش إلى أن تتوب؟


{وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ}

غفار: صيغة مبالغة من غفر، فإذا أثبت المبالغة فالترتيب اللغوي بالتالي يثقبت الأقل وهو غافر، هذا في الإثبات: وكذلك في النفي في مثل قوله تعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [فصلت: 46] فنفى المبالغة في الظلم، فهل يعني ذلك أنه تعالى يمكن أن يكون ظالمًا؟

والشيء يُبالغ فيه لأمرين: الأول: أن تبالغ في نفس الحدث، كأن تأكل رغيفًا في الوجبة أو رغيفين، وآخر يأكل خمسة أرغفة، فهذه منه مبالغة في نفس الحدث وهو الأكل.

والثاني: قد تكون المبالغة بتكرار الحدَث، فالعادة أن نأكل ثلاث مرات، وهناك مَنْ يأكل سِتّ وجبات، ونسميه (أكول) أي: كثير الأكل، لا في الوجبة الواحدة، إنما في عدد الوجبات.

فمعنى (غَفَّارٌ) غافر لي، وغافر لك، وغافر لهذا وهذا.. غافر لكل الخَلْق، فتكررت مغفرته عز وجل لخَلْقه.

والمغفرة تكون {لِّمَن تَابَ وَآمَنَ} [طه: 82] وما دام قال {تَابَ وَآمَنَ} [طه: 82] فلابد أن التوبة هنا عن الكفر، ثم أنشأ إيمانًا بالله وبرسوله.

والإيمان هو الينبوع الذي يصدر عنه السلوك البشري، وهذا يقتضي أن تسمع كلامه وتُنفِّذ أوامره، وتجتنب نواهيه، وهذا هو المراد بقوله {وَعَمِلَ صَالِحَاً} [طه: 82].

لكن، أليس العمل الصالح هداية؟ فلماذا قال بعدها {ثُمَّ اهتدى} [طه: 82] قالوا: لأن الهداية أنْ تستمر على هذا العمل الصالح، وأن تستزيد منه، كما قال تعالى: {والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى} [محمد: 17].

اضافة تعليق