"اليرموك".. الشام كله للمسلمين.. (الملحمة كاملة)

الإثنين، 21 يناير 2019 03:25 م
اليرموك


بوقعة اليرموك في العام الخامس عشر من الهجرة، انتهى وجود الروم من بلاد الشام..وترك" هرقل" ملك الروم بلاد الشام راحلا، تلاحقه كتائب المسلمين، وتحققت نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده .. وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده ".


بداية الملحمة:
لما توجهت جيوش  المسلمين نحو الشام أفزع ذلك الروم وخافوا خوفا شديدا، وكتبوا إلى هرقل يعلمونه بما كان من الأمر، وكان يومئذ بحمص.
فلما انتهى إليه الخبر، قال لهم: ويحكم إن هؤلاء أهل دين جديد، وإنهم لا قبل لأحد بهم، فأطيعوني وصالحوهم بما تصالحونهم على نصف خراج الشام ويبقى لكم جبال الروم، وإن أنتم أبيتم ذلك أخذوا منكم الشام وضيقوا عليكم جبال الروم.
 فنخروا من ذلك نخرة حمر الوحش كما هي عاداتهم في قلة المعرفة والرأي بالحرب والنصرة في الدين والدنيا.
 فعند ذلك سار إلى حمص، وأمر هرقل بخروج الجيوش الرومية صحبة الأمراء، في مقابلة كل أمير من المسلمين جيش كثيف.
وبعث هرقل إلى عمرو بن العاص أخا له لأبويه «تذارق» في تسعين ألفا من المقاتلة.
 وبعث جرجه بن بوذيها إلى ناحية يزيد بن أبي سفيان، فعسكر بإزائه في خمسين ألفا أو ستين ألفا،  وبعث الدراقص إلى شرحبيل بن حسنة.
بينما بعث اللقيقار ويقال القيقلان في ستين ألفا إلى أبي عبيدة بن الجراح.
 وقالت الروم: والله لنشغلن أبا بكر عن أن يورد الخيول إلى أرضنا.
وكانت جميع عساكر المسلمين تبلغ أحد وعشرون ألفا سوى الجيش الذي مع عكرمة بن أبي جهل. وكان واقفا في طرف الشام ردءا للناس- في ستة آلاف- فكتب الأمراء إلى أبي بكر وعمر يعلمونهما بما وقع من الأمر العظيم، فكتب إليهم أن اجتمعوا وكونوا جندا واحدا والقوا جنود المشركين، فأنتم أنصار الله والله ناصر من نصره، وخاذل من كفره، ولن يؤتى مثلكم عن قلة، ولكن من تلقاء الذنوب فاحترسوا منها، وليصل كل رجل منكم بأصحابه.
 وقال الصديق رضي الله عنه : والله لأشغلن النصارى عن وساوس الشيطان بخالد بن الوليد،  وبعث إليه وهو بالعراق ليقدم إلى الشام فيكون الأمير على من به، فإذا فرغ عاد إلى عمله بالعراق.
ولما بلغ هرقل ما أمر به الصديق أمراءه من الاجتماع، بعث إلى أمرائه أن يجتمعوا أيضا وأن ينزلوا بالجيش منزلا واسع العطن، واسع المطرد، ضيق المهرب، وعلى الناس أخوه بندارق، وعلى المقدمة جرجه، وعلى المجنبتين ماهان والدراقص، وعلى البحر القيقلان.
وسارت الروم فنزلوا الواقوصة قريبا من اليرموك، وصار الوادي خندقا عليهم.
 وبعث الصحابة إلى الصديق يستمدونه ويعلمونه بما اجتمع من جيش الروم باليرموك، فكتب الصديق عند ذلك إلى خالد بن الوليد أن يستنيب على العراق وأن يقفل بمن معه إلى الشام، فإذا وصل إليهم فهو الأمير عليهم،  فاستناب المثنى بن حارثة على العراق وسار خالد مسرعا في تسعة آلاف وخمسمائة، وسلك به أراضي لم يسلكها قبله أحد، فاجتاب البراري والقفار، وقطع الأودية، وتصعد على الجبال، ، وجعل رافع – كان دليلهم- يدلهم في مسيرهم على الطريق وهو في مفاوز معطشة، وعطش الإبل وسقاها الماء ، واستاقها معه، فلما فقدوا الماء نحرها فشربوا ما في أجوافها من الماء، وأكلوا لحومها.
 ووصل ولله الحمد والمنة في خمسة أيام، فخرج على الروم من ناحية تدمر فصالح أهل تدمر ، وخرج من شرقي دمشق، ثم سار حتى وصل إلى قناة بصرى فوجد الصحابة تحاربها فصالحه صاحبها وسلمها إليه، فكانت أول مدينة فتحت من الشام.
وبعث خالد بأخماس ما غنم من غسان مع بلال بن الحرث المزني إلى الصديق ثم سار خالد وأبو عبيدة ومرثد وشرحبيل إلى عمرو بن العاص- وقد قصده الروم - فكانت واقعة أجنادين.
ويقال إن الصحابة لما اجتمعوا للمشورة في كيفية المسير إلى الروم، جلس الأمراء لذلك فجاء أبو سفيان فقال: ما كنت أظن أني أعمر حتى أدرك قوما يجتمعون لحرب ولا أحضرهم، ثم أشار أن يتجزأ الجيش ثلاثة أجزاء، فيسير ثلثه فينزلون تجاه الروم، ثم تسير الأثقال والذراري في الثلث الآخر، ويتأخر خالد بالثلث الآخر حتى إذا وصلت الأثقال إلى أولئك سار بعدهم ونزلوا في مكان تكون البرية من وراء ظهورهم لتصل إليهم البرد والمدد،  فامتثلوا ما أشار به ونعم الرأي هو.
ونزلت الروم فيما بين دير أيوب واليرموك، ونزل المسلمون من وراء النهر من الجانب الآخر، وأذرعات خلفهم ليصل إليهم المدد من المدينة.
ويقال إن خالدا إنما قدم عليهم بعد ما نزل الصحابة تجاه الروم بعد ما صابروهم وحاصروهم شهر ربيع الأول بكماله، فلما انسلخ وأمكن القتال لقلة الماء بعثوا إلى الصديق يستمدونه فقال: خالد لها، فبعث إلى خالد فقدم عليهم في ربيع الآخر، فعند وصول خالد إليهم أقبل ماهان مددا للروم ومعه القساقسة، والشمامسة والرهبان يحثونهم ويحرضونهم على القتال لنصر دين النصرانية، فتكامل جيش الروم أربعون ومائتا ألف ثمانون ألفا مسلسل بالحديد والحبال، وثمانون ألفا فارس، وثمانون ألفا راجل.
واقعة غريبة:
وكان أحد قواد الروم قد بعث رجلا من نصارى العرب يخبره بأمر الصحابة، فلما رجع إليه قال: "وجدت قوما رهبانا بالليل فرسانا بالنهار، والله لو سرق فيهم ابن ملكهم لقطعوه، أو زنى لرجموه".
فقال له: "والله لئن كنت صادقا لبطن الأرض خير من ظهرها".
شرارة المعركة:
ووجد خالد الجيوش متفرقة فجيش أبي عبيدة وعمرو بن العاص ناحية، وجيش يزيد وشرحبيل ناحية.
فقام خالد في الناس خطيبا،  فأمرهم بالاجتماع ونهاهم عن التفرق والاختلاف،  فاجتمع الناس وتصافوا مع عدوهم في أول جمادى الآخرة.
 وقام خالد بن الوليد في الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: إن هذا يوم من أيام الله، لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي، أخلصوا جهادكم وأريدوا الله بعملكم، وإن هذا يوم له ما بعده لو رددناهم اليوم إلى خندقهم فلا نزال نردهم، وإن هزمونا لا نفلح بعدها أبدا، فتعالوا فلنتعاور الإمارة فليكن عليها بعضنا اليوم والآخر غدا والآخر بعد غد، حتى يتأمر كلكم، ودعوني اليوم أليكم، فأمّروه عليهم وهم يظنون أن الأمر يطول جدا فخرجت الروم في تعبئة لم ير مثلها قبلها قط وخرج خالد في تعبئة لم تعبها العرب قبل ذلك.
 فخرج في ستة وثلاثين كردوسا إلى الأربعين كل كردوس ألف رجل عليهم أمير، وجعل أبا عبيدة في القلب، وعلى الميمنة عمرو بن العاص ومعه شرحبيل بن حسنة، وعلى الميسرة يزيد بن أبي سفيان.
وأمر على كل كردوس أميرا، وعلى الطلائع قباب بن أشيم، والقاضي يومئذ أبو الدرداء.
 وقاصهم الذي يعظهم ويحثهم على القتال أبو سفيان بن حرب وقارئهم الذي يدور على الناس فيقرأ سورة الأنفال وآيات الجهاد المقداد بن الأسود.
 وخرج الناس على راياتهم وعلى الميمنة معاذ بن جبل وعلى الميسرة نفاثة بن أسامة الكناني، وعلى الرجالة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وعلى الخيالة خالد بن الوليد وهو المشير في الحرب الذي يصدر الناس كلهم عن رأيه.
 ولما أقبلت الروم في خيلائها وفخرها قد سدت أقطار تلك البقعة سهلها ووعرها كأنهم غمامة سوداء يصيحون بأصوات مرتفعة ورهبانهم يتلون الإنجيل ويحثونهم على القتال، وكان خالد في الخيل بين يدي الجيش فساق بفرسه إلى أبي عبيدة فقال له: إني مشير بأمر، فقال: قل ما أمرك الله أسمع لك وأطيع.
فقال له خالد إن هؤلاء القوم لا بد لهم من حملة عظيمة لا محيد لهم عنها، وإني أخشى على الميمنة والميسرة وقد رأيت أن أفرق الخيل فرقتين وأجعلها وراء الميمنة والميسرة حتى إذا صدموهم كانوا لهم ردءا فنأتيهم من ورائهم.
 فقال: له نعم ما رأيت،  فكان خالد في أحد الخيلين من وراء الميمنة وجعل قيس بن هبيرة في الخيل الأخرى وأمر أبا عبيدة أن يتأخر عن القلب إلى وراء الجيش كله لكي إذا رآه المنهزم استحى منه ورجع إلى القتال، فجعل أبو عبيدة مكانه في القلب سعيد بن زيد أحد العشرة رضي الله عنهم، وساق خالد إلى النساء من وراء الجيش ومعهن عدد من السيوف وغيرها، فقال لهن: من رأيتموه موليا فاقتلنه، ثم رجع إلى موقفه رضي الله عنه.
إلهاب حماسة الجنود:
ولما تراءى الجمعان وتبارز الفريقان وعظ أبو عبيدة المسلمين فقال: "عباد الله انصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم، يا معشر المسلمين اصبروا فإن الصبر منجاة من الكفر ومرضاة للرب ومدحضة للعار، ولا تبرحوا مصافكم، ولا تخطوا إليهم خطوة، ولا تبدءوهم بالقتال وشرعوا الرماح واستتروا بالدرق والزموا الصمت إلا من ذكر الله في أنفسكم حتى آمركم إن شاء الله تعالى".
وخرج معاذ بن جبل على الناس فجعل يذكرهم ويقول : "يا أهل القرآن، ومتحفظى الكتاب وأنصار الهدى والحق، إن رحمة الله لا تنال وجنته لا تدخل بالأماني، ولا يؤتي الله المغفرة والرحمة الواسعة إلا الصادق المصدق ألم تسمعوا لقول الله : " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم"، فاستحيوا رحمكم الله من ربكم أن يراكم فرارا من عدوكم وأنتم في قبضته وليس لكم ملتحد من دونه ولا عز بغيره.
وقال عمرو بن العاص: "يا أيها المسلمون غضوا الأبصار، واجثوا على الركب، وأشرعوا الرماح، فإذا حملوا عليكم فأمهلوهم حتى إذا ركبوا أطراف الأسنة فثبوا إليهم وثبة الأسد، فو الذي يرضى الصدق ويثيب عليه ويمقت الكذب ويجزي بالإحسان إحسانا، لقد سمعت أن المسلمين سيفتحونها كفرا كفرا وقصرا قصرا، فلا يهولنكم جموعهم ولا عددهم، فإنكم لو صدقتموهم الشد تطايروا".
وقال أبو سفيان: "يا معشر المسلمين أنتم العرب وقد أصبحتم في دار العجم منقطعين عن الأهل نائين عن أمير المؤمنين وأمداد المسلمين، وقد والله أصبحتم بإزاء عدو كثير عدده، شديد عليكم حنقه، وقد وترتموهم في أنفسهم وبلادهم ونسائهم، والله لا ينجيكم من هؤلاء القوم، ولا يبلغ بكم رضوان الله غدا إلا بصدق اللقاء والصبر في المواطن المكروهة، ألا وإنها سنة لازمة وإن الأرض وراءكم، بينكم وبين أمير المؤمنين وجماعة المسلمين صحارى وبراري، ليس لأحد فيها معقل ولا معدل إلا الصبر ورجاء ما وعد الله فهو خير معول، فامتنعوا بسيوفكم وتعاونوا ولتكن هي الحصون".
ثم ذهب إلى النساء فوصاهن ثم عاد فنادى: يا معاشر أهل الإسلام حضر ما ترون فهذا رسول الله والجنة أمامكم، والشيطان والنار خلفكم، ثم سار إلى موقفه رحمه الله.
وكان في ذلك الجمع ألف رجل من الصحابة منهم مائة من أهل بدر.
 وجعل أبو سفيان يقف على كل كردوس ويقول: الله الله إنكم دارة العرب وأنصار الإسلام، وإنهم دارة الروم وأنصار الشرك، اللهم إن هذا يوم من أيامك، اللهم أنزل نصرك على عبادك.

ولما تقارب الناس تقدم أبو عبيدة ويزيد بن أبي سفيان ومعهما ضرار بن الأزور، والحارث بن هشام، وأبو جندل بن سهيل، ونادوا: إنما نريد أميركم لنجتمع به، فأذن لهم في الدخول على "تذارق"- قائد الروم- ، وإذا هو جالس في خيمة من حرير.
 فقال الصحابة: "لا نستحل دخولها، فأمر لهم بفرش بسط من حرير، فقالوا: ولا نجلس على هذه".
 فجلس معهم حيث أحبوا وتراضوا على الصلح، ورجع عنهم الصحابة بعد ما دعوهم إلى الله عز وجل فلم يتم ذلك.
حوار خطير:
وقيل إن "ماهان" طلب خالدا ليبرز إليه فيما بين الصفين فيجتمعا في مصلحة لهم.
فقال ماهان: إنا قد علمنا أن ما أخرجكم من بلادكم الجهد والجوع، فهلموا إلى أن أعطي كل رجل منكم عشرة دنانير وكسوة وطعاما وترجعون إلى بلادكم، فإذا كان من العام المقبل بعثنا لكم بمثلها.
فقال خالد: إنه لم يخرجنا من بلادنا ما ذكرت، غير أنا قوم نشرب الدماء، وأنه بلغنا أنه لا دم أطيب من دم الروم، فجئنا لذلك.
 فقال أصحاب ماهان: هذا والله ما كنا نحدث به عن العرب.
اشتعال الملحمة:
وتقدم خالد إلى عكرمة بن أبي جهل والقعقاع بن عمرو- وهما على مجنبتي القلب- أن ينشئا القتال، فبدرا يرتجزان ودعوا إلى البراز، وتنازل الأبطال، وتجاولوا وحمي الحرب وقامت على ساق.
هذا وخالد مع كردوس من الحماة الشجعان الأبطال بين يدي الصفوف، والأبطال يتصاولون من الفريقين بين يديه، وهو ينظر ويبعث إلى كل قوم من أصحابه بما يعتمدونه من الأفاعيل، ويدبر أمر الحرب أتم تدبير.
وأشار خالد أن يقف في القلب سعيد بن زيد، وأن يكون أبو عبيدة من وراء الناس ليرد المنهزم.
فقال له أصحابه: افعل ما أراك الله، وامتثلوا ما أشار به خالد رضي الله عنه.
 وأقبلت الروم رافعة صلبانها ولهم أصوات مزعجة كالرعد، والقساقسة والبطارقة تحرضهم على القتال وهم في عدد وعدد لم ير مثله.
وكان فيمن شهد اليرموك الزبير بن العوام، وهو أفضل من هناك من الصحابة، وكان من فرسان الناس وشجعانهم، فاجتمع إليه جماعة من الأبطال يومئذ فقالوا: ألا تحمل فنحمل معك؟
فقال: إنكم لا تثبتون، فقالوا: بلى! فحمل وحملوا فلما واجهوا صفوف الروم أحجموا وأقدم هو فاخترق صفوف الروم حتى خرج من الجانب الآخر وعاد إلى أصحابه.
 ثم جاءوا إليه مرة ثانية ففعل كما فعل في الأولى، وجرح يومئذ جرحين بين كتفيه.
وقال عكرمة بن أبي جهل يوم اليرموك: قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواطن وأفر منكم اليوم؟ ثم نادى: من يبايع على الموت؟ فبايعه عمه الحارث بن هشام، وضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعا جراحا، وقتل منهم خلق منهم ضرار بن الأزور رضى الله عنهم.
إيثار منقطع النظير:
 وقد ذكر الواقدي وغيره أنهم لما صرعوا من الجراح استسقوا ماء فجيء إليهم بشربة ماء فلما قربت إلى أحدهم نظر إليه الآخر فقال: ادفعها إليه، فلما دفعت إليه نظر إليه الآخر فقال: ادفعها إليه، فتدافعوها كلهم من واحد إلى واحد حتى ماتوا جميعا ولم يشربها أحد منهم، رضي الله عنهم أجمعين.
ويقال إن أول من قتل من المسلمين يومئذ شهيدا رجل جاء إلى أبي عبيدة فقال: إني قد تهيأت لأمري فهل لك من حاجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، تقرئه عني السلام وتقول: يا رسول الله إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا.
 قال: فتقدم هذا الرجل حتى قتل رحمه الله. قالوا: وثبت كل قوم على رايتهم حتى صارت الروم تدور كأنها الرحا.
 فلم تر يوم اليرموك إلا "مخا" ساقطا، ومعصما نادرا، وكفا طائرة من ذلك الموطن.
 ثم حمل خالد بمن معه من الخيالة على الميسرة التي حملت على ميمنة المسلمين فأزالوهم إلى القلب فقتل من الروم في حملته هذه ستة آلاف منهم.
 ثم قال: والذي نفسي بيده لم يبق عندهم من الصبر والجلد غير ما رأيتم، وإني لأرجو أن يمنحكم الله أكتافهم،  ثم اعترضهم فحمل بمائة فارس معه على نحو من مائة ألف فما وصل إليهم حتى انفض جمعهم، وحمل المسلمون عليهم حملة رجل واحد، فانكشفوا وتبعهم المسلمون لا يمتنعون منهم.
وبينما هم في جولة الحرب وحومة الوغى والأبطال يتصاولون من كل جانب، إذ قدم البريد من نحو الحجاز فدفع إلى خالد بن الوليد فقال له: ما الخبر؟ فقال له- فيما بينه وبينه-: إن الصديق رضي الله عنه قد توفى واستخلف عمر، واستناب على الجيوش أبا عبيدة عامر بن الجراح. فأسرها خالد ولم يبد ذلك للناس لئلا يحصل ضعف ووهن في تلك الحال، وقال له والناس يسمعون: أحسنت، وأخذ منه الكتاب فوضعه في كنانته واشتغل بما كان فيه من تدبير الحرب والمقاتلة، وأوقف الرسول الذي جاء بالكتاب- وهو منجمة بن زنيم- إلى جانبه.
إسلام قائد الروم:
قالوا : وخرج "جرجة" أحد أمراء الروم الكبار من الصف واستدعى خالد بن الوليد فجاء إليه حتى اختلفت أعناق فرسيهما.
 فقال جرجة: يا خالد أخبرني فاصدقني ولا تكذبني، فإن الحر لا يكذب، ولا تخادعني فإن الكريم لا يخادع ، هل أنزل الله على نبيكم سيفا من السماء فأعطاكه فلا تسلّه على أحد إلا هزمتهم؟ قال: لا!
 قال: فيم سميت سيف الله؟ قال: إن الله بعث فينا نبيه فدعانا فنفرنا منه ونأينا عنه جميعا، ثم إن بعضنا صدقه وتابعه، وبعضنا كذبه وباعده، فكنت فيمن كذبه وباعده، ثم إن الله أخذ بقلوبنا ونواصينا فهدانا به وبايعناه، فقال لي: أنت سيف من سيوف الله سلّه الله على المشركين. ودعا لي بالنصر، فسميت سيف الله بذلك فأنا من أشد المسلمين على المشركين.
فقال جرجة: يا خالد إلى ما تدعون؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله والإقرار بما جاء به من عند الله عز وجل. قال: فمن لم يجبكم؟ قال: فالجزية ونمنعهم.
قال: فإن لم يعطها قال: نؤذنه بالحرب ثم نقاتله،  قال: فما منزلة من يجيبكم ويدخل في هذا الأمر اليوم؟
قال منزلتنا واحدة فيما افترض الله علينا، شريفنا ووضيعنا وأولنا وآخرنا.
 قال جرجة: فلمن دخل فيكم اليوم من الأجر مثل ما لكم من الأجر والذخر؟ قال: نعم وأفضل.
 قال: وكيف يساويكم وقد سبقتموه؟ فقال خالد: إنا قبلنا هذا الأمر عنوة وبايعنا نبينا وهو حي بين أظهرنا تأتيه أخبار السماء ويخبرنا بالكتاب ويرينا الآيات، وحق لمن رأى ما رأينا، وسمع ما سمعنا أن يسلم ويبايع، وإنكم أنتم لم تروا ما رأينا، ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج، فمن دخل في هذا الأمر منكم بحقيقة ونية كان أفضل منا؟
فقال جرجة: بالله لقد صدقتني ولم تخادعني؟ قال: تالله لقد صدقتك وإن الله ولي ما سألت عنه،  فعند ذلك قلب جرجة الترس ومال مع خالد وقال: علمني الإسلام، فمال به خالد إلى فسطاطه فصب عليه قربة من ماء ثم صلى به ركعتين.
وحملت الروم مع انقلابه إلى خالد وهم يرون أنها منه حملة فأزالوا المسلمين عن مواقفهم إلا الحماة مع عكرمة بن أبى جهل والحرث بن هشام.
 فركب خالد وجرجة معه والروم خلال المسلمين، فتنادى الناس وثابوا وتراجعت الروم إلى مواقفهم وزحف خالد بالمسلمين حتى تصافحوا بالسيوف فضرب فيهم خالد وجرجة من لدن ارتفاع النهار إلى جنوح الشمس للغروب.
 وصلى المسلمون صلاة الظهر وصلاة العصر إيماء، وأصيب جرجة رحمه الله ولم يصل لله إلا تلك الركعتين مع خالد رضي الله عنهما.
النصر المبارك:
وقال سعيد بن المسيب عن أبيه قال: هدأت الأصوات يوم اليرموك فسمعنا صوتا يكاد يملأ العسكر يقول: يا نصر الله اقترب، الثبات الثبات يا معشر المسلمين.
 قال: فنظرنا فإذا هو أبو سفيان تحت راية ابنه يزيد. وأكمل خالد ليلته في خيمة تدارق أخي هرقل- وهو أمير الروم كلهم يومئذ- هرب فيمن هرب، وباتت الخيول تجول نحو خيمة خالد يقتلون من مر بهم من الروم حتى أصبحوا.
 وقتل تدارق وكان له ثلاثون سرادقا وثلاثون رواقا من ديباج بما فيها من الفرش والحرير، فلما كان الصباح حازوا ما كان لك من الغنائم.
 وما فرحوا بما وجدوا بقدر حزنهم على الصديق حين أعلمهم خالد بذلك ولكن عوضهم الله بالفاروق رضي الله عنه.
وقال خالد حين عزى المسلمين في الصديق: الحمد لله الذي قضى على أبي بكر بالموت، وكان أحب إلي من عمر، والحمد لله الذي ولى عمر وكان أبغض إلي من أبي بكر وألزمني حبه.
وقد اتبع خالد من انهزم من الروم حتى وصل إلى دمشق فخرج إليه أهلها فقالوا: نحن على عهدنا وصلحنا؟ قال: نعم.
 ثم اتبعهم إلى ثنية العقاب فقتل منهم خلقا كثيرا ثم ساق وراءهم إلى حمص فخرج إليه أهلها فصالحهم كما صالح أهل دمشق.
 وبعث أبو عبيدة عياض بن غنم وراءهم أيضا فساق حتى وصل ملطية فصالحه أهلها ورجع.
 فلما بلغ هرقل ذلك بعث إلى مقاتليها فحضروا بين يديه وأمر بملطية فحرقت وانتهت الروم منهزمة إلى هرقل وهو بحمص والمسلمون في آثارهم يقتلون ويأسرون ويغنمون.
 ولما وصل الخبر إلى هرقل ارتحل من حمص وجعلها بينه وبين المسلمين وترس بها وقال هرقل: أما الشام فلا شام، وويل للروم من المولود المشئوم.

اضافة تعليق