شيوخ "الزئبق الأحمر".. وهم الثراء السريع بالتنقيب عن الآثار!

الإثنين، 21 يناير 2019 11:49 ص
شيوخ الزئبق الأحمر

يمر عليك في بيتك القديم، يطيل النظر لزاوية في البيت، ثم يقترب منك ويخبرك بأخباره التي يوهمك بأنها موصولة بالله، بأن السماء قد فتحت لك أبوابها، واخترقت أدعيتك جدرانها، حتى سمع الله لك واستجاب.

ما أن تسمع هذه الكلمات حتى تصبح أسيرًا لكلمات هذا الشخص الذي وقف ببابك هائمًا، منشرح الصدر، تتلألأ عينه بلذة النظر إليك، حتى إذا ما وقعت في شركه، وحلمت بما تفتقت ذهنك لكلماته، استجبت له في كل شيء ولو طلب منك "لبن العصفور"، لكي يخرج الله به الكنز الموعود الذي تحلم به سهلاً ميسورًا، دون سعي أو عمل، ونسيت حديث النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق إن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة".

هكذا أصبح آلاف المصريين مهووسون بالتنقيب عن الآثار، والذين يقعون في شرك بعض المدعين للعلم اللدني، من محترفي النصب والاحتيال.

تبدأ القصة حينما يمر عليك شخص يدعي التدين، وأنه موصول بعلم الله، ويخبرك بأن هذا المكان الذي تسكن فيه، يسبح على تابلوت كبير مملوء بالذهب والفضة والأثار القديمة، ثم يقنعك ببعض كلماته التي يعتمد فيها على جهلك بهذه القضية، ويوحي لك بأنك على بعد أمتار قليلة من هذا الكنز، الذي يتطلب بعض التضحيات البسيطة من شراء بعض المواد وأدوات الكشف، والتي تقدر ثمنها ببضع آلاف من الجنيهات.

فتبدأ تحلم بالكنز، وتخطط للآلية التي توفر بها مطالب هذا المدعي، وتبدأ في توفير هذا المال، حتى إن البعض قد يضطر لبيع آثاث المنزل، من أجل التنقيب، ومن ثم يفاجأ بأنه وقع ضحية لعملية نصب بعد أن يخسر كل شيء.

وفي مصر، احترف كثير من الشباب، مهنة التنقيب لتحقيق حلم الثراء الفاحش والسريع، لكن هذه الأحلام الوردية فى الغالب الأعم تتحطم، إما بدخول المنقبين السجن، وإما بموتهم تحت أنقاض الحفر.

محافظة مثل المنيا وحدها، شهدت عدة وقائع فى العام الماضى، كان أكثرها تأثيرًا مصرع 5 أثناء تنقيبهم بمنطقة البهنسا الجديدة التابعة لمركز بنى مزار، حيث انهارت الحفرة فوق رؤوسهم.

وهناك واقعة متكررة فى كثير من مراكز المحافظة تكاد تكون كل يوم، الأمر الذى يتسبب فى فقدان أرواح كثيرة، وما يزيد على 100 قطعة أثرية كل عام، ورغم تصدى رجال مباحث الآثار والسياحة للخارجين على القانون، يفشلون فى ضبط المنقبين والتجار وسماسرة الآثار.

وقال مواطن إنه ظل يحفر فى منزله حتى تصدع فأوقف البحث فيما تلقى مدير أمن المنيا بلاغا بمصرع شخص  - 28 عاما عاطل - إثر انهيار جزء من منزله عليه أثناء الحفر بإحدى قرى ديرمواس.

وقال وحد من هؤلاء ممن يتلقبون بـ "الشيخ"، إن "صاحب المنزل والباحثين عن الآثار، يستدعوننى ويحجزون لى بأحد الفنادق الكبرى، حتى يوفروا لى الراحة، وأطلب منهم أنواعا من البخور والأعشاب لتساعد فى استخراج الكنز، ثم أذهب إلى المنزل وأحدد المكان الذى يتم الحفر فيه، وأطلب منهم عدم الإزعاج أو التزاحم ثم نطلق البخور بعد ظهور المياه وفى أغلب الأحيان يختلف الشركاء، ولا تستكمل عملية البحث بسلام ويتم ردم الحفرة".

وهو ما يحصل في مصر بشكل عام. حيث يؤمن قطاع كبير من السكان بأن مقتنيات أجدادهم  الثمينة ترقد أسفل منازلهم. يقودهم شغفهم ورغبتهم في تحسين حياتهم للتنقيب عنها بعيداً عن أعين الحكومة.

وهم في بحثهم عن الكنوز هذه يحتاجون لدليل يوصلهم إليها.

هنا، يظهر دور هذه "الشيوخ" فيقدمون خدماتهم في البحث مقابل مبالغ مالية طائلة.

ووصلت عمليات النصب في وقائع التنقيب الفردية من سطوة رجال يعملون بتحضير الأرواح والجن، ويوهمون الباحث عن مخرج من فقره وعوزه أو الطامع بالمال بقدراتهم على كشف أسرار الكنوز، ومخاطبة حراس المقابر من الجن لتبوح بأسرارها.

يجتمع الأمل والإيمان بصدق وعود الشيوخ، لتبدأ رحلة البحث عن الكنز.

يقول إيهاب محمد، الباحث الأثري والمفتش بمنطقة آثار الهرم، في تصريحات صحفية، إن عمليات التنقيب تنقسم إلى قسمين، أحدهما عشوائي يعتمد على المناطق الغنية بالآثار مثل سقارة ونزلة السمان وقرى الجيزة القريبة من المواقع الأثرية. فالجميع يحفر بناء عن صيت تلك الأماكن العامرة بمقتنيات قدماء المصريين.

أما الطريقة الأخرى، فتقوم على عملية "غسيل المخ"، حيث يقوم الشيوخ الذين يهابهم الكثير من سكان المناطق الشعبية، ويتعاظم دورهم في المناطق الريفية والصعيد بسبب زيادة معدلات الفقر وانخفاض المستوى التعليمي، بإقناع الراغبين في الثراء بالتنقيب.

ويرى أن الساعي وراء التنقيب هو الحلقة الأضعف في تلك المنظومة، لأنه أسير الرغبة في الثراء السريع، وهو ما يحتم عليه تتبع إمارات الشيوخ الذين يحفظون عن ظهر قلب ديباجات بلاغية للإيهام بوجود الآثار في مناطق بعينها.

فيما يربح الشيخ حصته من الصفقة التي تصل إلى ثلث قيمة الآثار التي يقوم بتقديرها مسبقاً ويقبضها قبل بدء الحفر.

إن نجحت الخطة يحظى المنقبون بالثراء السريع وإن فشلت يخسرون المال الذي دفعوه للشيخ والعمال الذين ساعدوهم بالحفر، وهم في الحالتين يعرضون أنفسهم لخطر الحبس، إذ رفع القانون المصري عقوبة تجارة الآثار والتنقيب عنها بشكل غير شرعي من الجنحة إلى الجناية التي تصل إلى حد الحبس المؤبد، أو 25 عاماً.

ويقول شهود عيان إن الشيوخ عامل محوري في التنقيب، وبدونهم لا تتم الصفقة. فتكون مهماتهم تحديد منطقة الحفر وعمقها وفك رمز البوابة أو "الرصد الفرعوني"، ويطلبون "لابد أن نحفر المساحة المطلوبة، والتي تصل أحياناً إلى 12 متراً، يبدأ الشيخ بتلاوة تمائم ليروض بها الرصد الفرعوني حتى تفتح المقبرة أبوابها" بحد قول شهود العيان.

فيما تقول دراسة لمركز الأقصر للدراسات والحوار والتنمية، إن الرصد الفرعوني هو "جان" من وحي الثقافات المتوارثة التي يستند إليها المنقبون في بحثهم. يتم الإتيان به عن طريق السحر، ليشرب من دم طير أو حيوان ويتشكل بعد ذلك على صورته. وقد شكلت هذه القصص جزءاً كبيراً من معتقدات شيبة عن قدرات الشيوخ.

وينشط دور الشيوخ فى إغواء الأهالي بالكنوز القابعة أسفل منازلهم. فلا تتعجب إذا طرق بابك شيخ يرتدي جلباباً وشالاً لإقناعك بأنك ستصبح غنياً في قادم الأيام إذا نقبت عن كنزك.

ويعتمد الشيوخ هنا في خداعهم الناس بطريقة جاذبة عندما يحدثونهم عن الكنوز وعلامات المقابر التي يرونها في منازلهم والأراضي التابعة لهم.

يحكي شاهد آخر، أنه فوجئ بأحد "الشيوخ" المعروفين بعلاقتهم بالآثار يأتي إلى منزله ليدعوه إلى البحث عن كنزه، ولم يكن الشيخ يعرف هويته أو طبيعة عمله وبدأ يؤكد له أن أرضه ضمن مجموعة من الأراضي المليئة بالآثار.

وطلب "الشيخ" منه أن يجلب آلات الحفر ورجالاً لبدء عملية الحفر في حضرته، ولم يتجاوب الشخص معه، لكن جيرانه وجدوا في كلامه أملاً. فبعدما رصد "الشيخ" ميزانية الحفر وأجره لفك رموز الجان الخاص بالمقبرة، ودفع أصحاب المنزل المبلغ كاملاً، لم يجدوا شيئًا.

مكاسب الآثار أكثر من السياحة
تقدر تقارير خبراء الأثار أن مكاسب تجارة الأثار والتنقيب السنوية تزيد عن 20 مليار دولار، وهو ما يعادل ضعف دخل مصر من السياحة، التي تشهد تدهوراً كبيراً منذ ثورة 25 يناير.

وقد وثقت وثائق رسمية 262 جريمة وقبضت على 956 شخصًا خلال العام الماضي، بحسب التقرير الصادر عن مركز دفتر أحوال للبحث والتوثيق والأرشفة، تنوعت جرائمهم بين تنقيب واتجار وتهريب وشروع فى التنقيب.

 وبلغ عدد القطع الأثرية المضبوطة خلال نفس العام 11 حوالي قطعة، وفقاً للتقرير ذاته.

تباع هذه القطع المهربة في مزادات سياحية في بعض الدول الأوروبية، تحاول وزارة الآثار المصرية الحد منها.

اضافة تعليق