"صلاح الدين".. تواضع.. اجتهاد.. ومحبة للرعية

السبت، 19 يناير 2019 01:10 م
صلاح الدين.. حكاية أمة


ربما لم يحظ سلطان ولا أمير في التاريخ الإسلامي بالشهرة مثلما حظي بذلك السلطان "صلاح الدين الأيوبي"، وما زالت القلوب مجتمعة على حبه إلى الآن، إلا أن هناك بعض الدعوات المغرضة، وراويات منسوبة إليه لا تأتي شيئًا في بحر جهده وجهاده، ونصحه ومحبته لأمته ووطنه.

أخلاقه وصفاته:

كان رحمه الله حصنًا للإسلام وحرزًا وكهفًا من كيد الكفرة اللئام، وذلك بتوفيق الله له، وكان أهل دمشق لم يصابوا بمثل مصابه، وود كل منهم لو فداه بأولاده وأحبابه وأصحابه.

كما كان متقللاً في ملبسه، ومأكله ومركبه، وكان لا يلبس إلا القطن والكتان والصوف، ولا يعرف أنه تخطي إلى مكروه، ولا سيما بعد أن أنعم الله عليه بالملك، بل كان همه الأكبر ومقصده الأعظم نصرة الإسلام، وكسر أعدائه اللئام، وكان يعمل رأيه في ذلك وحده، ومع من يثق به ليلاً ونهارًا، وهذا مع ما لديه من الفضائل والفواضل، والفوائد الفرائد، في اللغة والأدب وأيام الناس.

وقيل:  إنه كان يحفظ الحماسة بتمامها، وكان مواظبًا على الصلوات في أوقاتها في الجماعة، يقال إنه لم تفته الجماعة في صلاة قبل وفاته بدهر طويل، حتى ولا في مرض موته، كان يدخل الإمام فيصلي به، فكان يتجشم القيام مع ضعفه.

وكان يفهم ما يقال بين يديه من البحث والمناظرة، ويشارك في ذلك مشاركة قريبة حسنة، وإن لم يكن بالعبارة المصطلح عليها.

وجمع له القطب النيسابوري، عقيدة فكان يحفظها ويحفّظها من بلغ سن الرشد من أولاده، وكان يحب سماع القرآن والحديث والعلم، ويواظب على سماع الحديث، حتى أنه يسمع في بعض حروبه جزء وهو بين الصفين، فكان يتبحبح بذلك ويقول: هذا موقف لم يسمع أحد في مثله حديثًا".

عرفت عنه أنه كان رقيق القلب سريع الدمعة عند سماع الحديث، كثير التعظيم لشرائع الدين.

وكان من أشجع الناس وأقواهم بدنًا وقلًبا، مع ما كان يعتري جسمه من الأمراض والأسقام، ولا سيما في حصار عكا، فإنه كان مع كثرة جموعهم وأمدادهم لا يزيده ذلك إلا قوة وشجاعة، وقد بلغت جموعهم خمسمائة ألف مقاتل، فقتل منهم مائة ألف مقاتل.

ولما انفصلت الحرب وتسلموا عكا، وقتلوا من كان بها من المسلمين وساروا برمتهم إلى القدس جعل يسايرهم منزلة منزلة، وجيوشهم أضعاف أضعاف من معه، ومع هذا نصره الله وخذلهم، وسبقهم إلى القدس فصانه وحماه منهم.

ولم يزل بجيشه مقيمًا به يرهبهم ويرعبهم ويغلبهم ويسلبهم حتى تضرعوا إليه وخضعوا لديه، ودخلوا عليه في الصلح، وأن تضع الحرب أوزارها بينهم وبينه، فأجابهم إلى ما سألوا على الوجه الذي أراده، لا على ما يريدونه.

 وكان ذلك من جملة الرحمة التي رحم الله بها المؤمنين، فإنه ما انتهت تلك السنون حتى ملك البلاد أخوه العادل.


كما كان سخيًا جبيًا ضحوك الوجه كثير البشر، لا يتضجر من خير يفعله، شديد المصابرة على الخيرات والطاعات، فرحمه الله.

مرض موته:

 خرج السلطان صلاح الدين هو وأخوه العادل إلى الصيد شرقي دمشق، وقد اتفق الحال بينه وبين أخيه أنه بعد ما يفرغ من أمر الفرنج يسير هو إلى بلاد الروم، ويبعث أخاه إلى بغداد، فإذا فرغا من شأنهما سارا جميعا إلى بلاد آذربيجان، بلاد العجم، فإنه ليس دونها أحد يمانع عنها.

 فلما قدم الحجيج في يوم الاثنين حادي عشر صفر خرج السلطان لتلقيهم، وكان معه ابن أخيه سيف الإسلام، صاحب اليمن، فأكرمه والتزمه، وعاد إلى القلعة فدخلها من باب الجديد، فكان ذلك آخر ما ركب في هذه الدنيا، ثم إنه اعتراه حمى صفراوية ليلة السبت سادس عشر صفر.

 فلما أصبح دخل عليه القاضي الفاضل وابن شداد وابنه الأفضل، فأخذ يشكو إليهم كثرة قلقه البارحة، وطاب له الحديث، وطال مجلسهم عنده، ثم تزايد به المرض واستمر، وقصده الأطباء في اليوم الرابع، وحصل له عرق شديد بحيث نفذ إلى الأرض.

وأمر السلطان وقتها بإحضار الأمراء الأكابر فبويع لولده الأفضل نور الدين علي، وكان نائبًا على دمشق، وذلك عند ما ظهرت مخايل الضعف الشديد، وغيبوبة الذهن في بعض الأوقات، وكان الذين يدخلون عليه في هذه الحال الفاضل وابن شداد .

حسن الخاتمة:

  ثم اشتد به الحال ليلة الأربعاء السابع والعشرين من صفر، واستدعى الشيخ أبا جعفر ليبيت عنده يقرأ القرآن ويلقنه الشهادة إذا جدّ به الأمر، فذكر أنه كان يقرأ عنده وهو في غمرات الموت فقرأ : "هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة " فقال: "وهو كذلك صحيح".

 فلما أذن الصبح جاء القاضي الفاضل فدخل عليه وهو في آخر رمق، فلما قرأ القارئ: "لا إله إلا هو عليه توكلت"، تبسم وتهلل وجهه وأسلم روحه إلى ربه سبحانه، ومات رحمه الله، وأكرم مثواه، وجعل جنات الفردوس مأواه، وكان له من العمر سبع وخمسون سنة، لأنه ولد بتكريت في شهور سنة ثنتين وثلاثين وخمسمائة،وتوفي في سنة تسع وثمانين وخمسمائة رحمه الله.

تركته وحال الناس بعده:


وقد غلقت الأسواق واحتفظ على الحواصل، ثم أخذوا في تجهيزه، وحضر جميع أولاده وأهله، وكان الذي تولى غسله خطيب البلد الفقيه الدولعي، وكان الذي أحضر الكفن ومؤنة التجهيز القاضي الفاضل من صلب ماله الحلال.

وتباكي أولاده الكبار والصغار وأخذ الناس في العويل والانتحاب والدعاء له والابتهال، ثم أبرز جسمه في نعشه في تابوت بعد صلاة الظهر، وصلى بالناس عليه القاضي ابن الزكي.

ودخل في لحده ولده الأفضل فدفنه بنفسه، وهو يومئذ سلطان الشام، ويقال إنه دفن معه سيفه الذي كان يحضر به الجهاد، وذلك عن أمر القاضي الفاضل، وتفاءلوا بأنه يكون معه يوم القيامة يتوكأ عليه، حتى يدخل الجنة إن شاء الله.

 ثم عمل عزاؤه بالجامع الأموي ثلاثة أيام، يحضره الخاص والعام، والرعية والحكام، وقد عمل الشعراء فيه مراثي كثيرة.

ولم يترك في خزانته من الذهب سوى جرام واحد- أي دينار واحد-  وستة وثلاثين درهمًا.

كما لم يترك دارًا ولا عقارًا ولا مزرعة ولا بستانًا، ولا شيئًا من أنواع الأملاك، هذا وله من الأولاد سبعة عشر ذكرا وابنة واحدة، وتوفى له في حياته غيرهم، والذين تأخروا بعده ستة عشر ذكرا أكبرهم الملك الأفضل نور الدين علي.

وأما البنت فهي "مؤنسة خاتون" تزوجها ابن عمها الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر ابن أيوب.


وإنما لم يخلف أموالاً ولا أملاكًا لجوده وكرمه وإحسانه إلى أمرائه وغيرهم، حتى إلى أعدائه.

اضافة تعليق