Advertisements

ما هي زكاة القلب؟.. 3 أمور لا تتركها

الجمعة، 18 يناير 2019 11:55 ص
ما معني زكاة القلب..3 أمور لا تتركها


كما أن البدن يمرض، فإن النفس أيضًا تمرض، ومحل ذلك هو القلب لأن جماع أمراض القلب هى أمراض الشبهات والشهوات.


وجعل الله القرآن شفاء للنوعين، ففيه من البينات والبراهين القطعية ما يبين الحق من الباطل، فتزول أمراض الشبه المفسدة للعلم والتصور والإدراك، بحيث يرى الأشياء على ما هى عليه.

وليس تحت أديم السماء كتاب متضمن للبراهين والآيات على المطالب العالية: من التوحيد، وإثبات الصفات، وإثبات المعاد والنبوات، ورد النحل الباطلة والآراء الفاسدة، مثل القرآن.

وقد قال الله عز وجل: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظةٌ مِن ربكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فى الصُّدُور"ِ وقال تعالى: "وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمؤْمِنِينَ".

 فالقرآن  كفيل بذلك كله، متضمن له على أتم الوجوه وأحسنها، وأقربها إلى العقول وأفصحها بيانا، وهو الشفاء على الحقيقة من أدواء الشبه والشكوك، ولكن ذلك موقوف على فهمه ومعرفة المراد منه.

ومن رزقه الله تعالى ذلك أبصر الحق والباطل عيانا بقلبه، كما يرى الليل والنهار، وعلم أن ما عداه من كتب الناس وآرائهم ومعقولاتهم بين علوم لا ثقة بها، وإنما هى آراء وتقليد، وبين ظنون كاذبة لا تغنى من الحق شيئًا.

وأما شفاؤه لمرض الشهوات فذلك بما فيه من الحكمة والموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب، والتزهيد فى الدنيا، والترغيب فى الآخرة، والأمثال والقصص التى فيها أنواع العبر والاستبصار، فيرغب القلب السليم إذا أبصر ذلك فيما ينفعه فى معاشه ومعاده ويرغب عما يضره، فيصير القلب محبا للرشد، مبغضا للغى.

 فالقرآن مزيل للأمراض الموجهة للإرادات الفاسدة، فيصلح القلب، فتصلح إرادته، ويعود إلى فطرته التى فطر عليها، فتصلح أفعاله الاختيارية الكسبية، كما يعود البدن بصحته وصلاحه إلى الحال الطبيعى، فيصير بحيث لا يقبل إلا الحق، كما أن الطفل ليس بقابل إلا اللبن.

ويتغذى القلب من الإيمان والقرآن بما يزكيه ويقويه، ويؤيده ويفرحه، ويسره وينشطه، ويثبت ملكه، كما يتغذى البدن بما ينميه ويقويه.

 وكل من القلب والبدن محتاج إلى أن يتربى؛ فينمو ويزيد حتى يكمل ويصلح فكما أن البدن محتاج إلى أن ينمو بالأغذية المصلحة له والبعد عما يضره، فلا ينمو إلا بإعطائه ما ينفعه، ومنع ما يضره، فكذلك القلب لا يزكو ولا ينمو، ولا يتم صلاحه إلا بذلك، ولا سبيل له إلى الوصول إلى ذلك إلا من القرآن، وإن وصل إلى شىء منه من غيره فهو نزر يسير لا يحصله به تمام المقصود، وكذلك الزرع لا يتم إلا بهذين الأمرين، فحينئذ يقال: زكا الزرع وكمل.
ولما كانت حياته ونعيمه لا تتم إلا بزكاته وطهارته لم يكن بد من ذكر هذا فى:


 "زكاة القلب"


تعني الزكاة فى اللغة "النماء والزيادة فى الصلاح، وكمال الشىء"، فيقال: زكا الشىء إذا نما، قال الله تعالى: "خُذْ مِنْ أمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا".

فجمع بين الأمرين: الطهارة والزكاة، لتلازمهما، فإن نجاسة الفواحش والمعاصى فى القلب بمنزلة الأخلاط الرديئة فى البدن، وبمنزلة السيء فى الزرع، وبمنزلة الخبث فى الذهب والفضة والنحاس والحديد.

 فكما أن البدن إذا استفرغ من الأخلاط الرديئة تخلصت القوة الطبيعية منها فاستراحت، فعملت عملها بلا معوق ولا ممانع، فنما البدن، فكذلك القلب إذا تخلص من الذنوب بالتوبة فقد استفرغ من تخليطه، فتخلصت إرادة القلب وإرادته للخير، فاستراح من تلك الجواذب الفاسدة والمواد الرديئة.


وقال تعالى: "قُلْ لِلمُؤْمِنِينَ يغُضُّوا مِنْ أبْصَارِهْمِ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أزْكَى لَهُمْ إنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يصْنَعُونَ".
فجعل الزكاة بعد غض البصر وحفظ الفرج. ولهذا كان غض البصر عن المحارم يوجب ثلاث فوائد عظيمة الخطر، جليلة القدر:

 إحداها: حلاوة الإيمان ولذته:


وهى أحلى وأطيب وألذ مما صرف بصره عنه وتركه لله تعالى، فإن من ترك شيئًا لله عوضه الله عز وجل خيرًا منه، والنفس مولعة بحب النظر إلى الصور الجميلة، والعين رائد القلب، فيبعث رائده لنظر ما هناك، فإذا أخبره بحسن المنظور إليه وجماله، تحرك اشتياقا إليه، وكثيرا ما يتعب ويتعب رسوله ورائده .

فإذا كف الرائد عن الكشف والمطالعة استراح القلب من كلفة الطلب والإرادة، فمن أطلق لحظاته دامت حسراته، فإن النظر يولد المحبة، فتبدأ علاقة يتعلق بها القلب بالمنظور إليه، ثم تقوى فتصير صبابة، ينصب إليه القلب بكليته.

 ثم تقوى فتصير غرامًا يلزم القلب، كلزوم الغريم الذى لا يفارق غريمه، ثم يقوى فيصير عشقا، وهو الحب المفرط، ثم يقوى فيصير شغفا، وهو الحب الذى قد وصل إلى شَغاف القلب وداخله، ثم يقوى فيصير تتيماً، والتتيم التعبد ومنه تيمه الحب إذا عَبَّده.

فيصير القلب عبدًا لمن لا يصلح أن يكون هو عبدًا له، وهذا كله بسبب جناية النظر فحينئذ يقع القلب فى الأسر، فيصير أسيرًا بعد أن كان ملكًا، ومسجونًا بعد أن كان مطلقًا.
وهذا إنما ابتُليت به القلوب الفارغة من حب الله والإخلاص له، فإن القلب لا بد له من التعلق بمحبوب، فمن لم يكن الله وحده محبوبه وإلهه ومعبوده فلا بد أن ينعقد قلبه لغيره.

أما الثانية فى غض البصر:

 نور القلب وصحة الفراسة

 قال أبو شجاع الكرمانى: "من عمر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة، وكف نفسه عن الشهوات، وغض بصره عن المحارم، واعتاد أكل الحلال لم تخطئ له فراسة" وقد ذكر الله سبحانه قصة قوم لوط وما ابتلوا به، ثم قال بعد ذلك:"إِنَّ فِى ذلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ"، وهم المتفرسون الذين سلموا من النظر المحرم والفاحشة، وقال تعالى عقيب أمره للمؤمنين بغض أبصارهم وحفظ فروجهم: "اللهُ نُورُ السَّمواتِ وَالأرْضِ".


وسر هذا الخبر: أن الجزاء من جنس العمل، فمن غض بصره عما حرم الله عز وجل عليه عوضه الله تعالى من جنسه ما هو خير منه، فكما أمسك نور بصره عن المحرمات أطلق الله نور بصيرته وقلبه، فرأى به ما لم يره من أطلق بصره ولم يغضه عن محارم الله تعالى، وهذا أمر يحسه الإنسان من نفسه.

فالقلب كالمرآة، والهوى كالصدأ فيها، فإذا خلصت المرآة من الصدأ انطبعت فيها صورة الحقائق كما هى عليه، وإذا صدئت لم ينطبع فيها صورة المعلومات، فيكون علمه وكلامه من باب الشكوك والظنون.
وأما الفائدة الثالثة:
 قوة القلب وثباته وشجاعته
يعطيه الله تعالى بقوته سلطان النصرة، كما أعطاه بنوره سلطان الحجة، فيجمع له بين السلطانين، ويهرب الشيطان منه، كما فى الأثر:"إنَّ الّذِى يُخَالِفُ هَوَاهُ يَفْرَقُ الشَّيْطَانُ مِنْ ظِلِّهِ".

 ولهذا يوجد فى المتبع هواه من ذل النفس وضعفها ومهانتها ما جعله الله لمن عصاه، فإنه سبحانه جعل العز لمن أطاعه والذل لمن عصاه، قال تعالى:" وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ"، وقال تعالى: "وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ".

اضافة تعليق