جرائم أغرب من الخيال.. هكذا قضى "الإمام علي" فيها

الخميس، 17 يناير 2019 03:07 م
براعة الإمام علي في القضاء..وقائع فاقت الخيال


كان الإمام علي بن أبي طالب وافر الذكاء، من أحسن الناس قضاءً وأفطنهم، وكان الفاروق عمر بن الخطاب يحبّه، ويجعله في المدينة لا يغادرها يستعين به في معضلات القضاء، وكان يقول: "بئس المقام بأرض ليس بها أبو الحسن".
أحكامه الذكية:


أتي برجل وجد في خربة بيده سكين متلطخة بدم، وبين يديه قتيل يتشحط في دمه، فسأله؟ فقال: أنا قتلته، قال: اذهبوا به فاقتلوه،  فلما ذهب به أقبل رجل مسرعًا، فقال: يا قوم، لا تعجلوا، ردوه إلى عليّ، فردوه، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، ما هذا صاحبه، أنا قتلته.

فقال علي للأول: ما حملك على أن قلت: أنا قاتله، ولم تقتله؟ قال: يا أمير المؤمنين، وما أستطيع أن أصنع؟ وقد وقف العسس على الرجل يتشحط في دمه، وأنا واقف، وفي يدي سكين، وفيها أثر الدم، وقد أخذت في خربة؟ فخفت ألا يقبل مني، فاعترفت بما لم أصنع، واحتسبت نفسي عند الله، فقال علي: بئسما صنعت. فكيف كان حديثك؟


قال: إني رجل قصاب- جزار- ، خرجت إلى حانوتي في الليل، فذبحت بقرة وسلختها.

 فبينما أنا أسلخها والسكين في يدي أخذني البول، فأتيت خربة كانت قريبة فدخلتها، فقضيت حاجتي، وعدت أريد حانوتي، فإذا أنا بهذا المقتول يتشحط في دمه فراعني أمره، فوقفت أنظر إليه والسكين في يدي، فلم أشعر إلا بأصحابك قد وقفوا علي فأخذوني.

 فقال الناس: هذا قتل هذا، ما له قاتل سواه، فأيقنت أنك لا تترك قولهم لقولي، فاعترفت بما لم أرتكبه.

 فقال علي للمقر الثاني: فأنت كيف كانت قصتك؟ فقال أغواني إبليس، فقتلت الرجل طمعًا في ماله، ثم سمعت حس العسس، فخرجت من الخربة، واستقبلت هذا الجزار على الحال التي وصف، فاستترت منه ببعض الخربة حتى أتى العسس، فأخذوه وأتوك به.

فلما أمرت بقتله علمت أني سأتحمل دمه أيضًا، فاعترفت بالحق.

 فقال الإمام علي لابنه الحسن: ما الحكم في هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن كان قد قتل نفسًا فقد أحيا نفسًا، وقد قال الله تعالى: "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا"، فخلى عليّ عنهما، وأخرج دية القتيل من بيت المال.

وقد وقع مثل هذه القصة في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أنها ليست في القتل.

فقد روي أن امرأة وقع عليها رجل في سواد الصبح - وهي تعمد إلى المسجد - بمكروه على نفسها، فاستغاثت برجل مرّ عليها، وفر صاحبها، ثم مر عليها ذوو عدد، فاستغاثت بهم، فأدركوا الرجل الذي كانت استغاثت به، فأخذوه، وسبقهم الآخر، فجاءوا به يقودونه إليها.

 فقال: أنا الذي أغثتك، وقد ذهب الآخر، فأتوا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته أنه وقع عليها.

 وأخبر القوم: أنهم أدركوه يشتد، فقال: إنما كنت أغيثها على صاحبها، فأدركني هؤلاء فأخذوني، فقالت: كذب، هو الذي وقع علي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: انطلقوا به فارجموه.

 فقام رجل، فقال: لا ترجموه، وارجموني فأنا الذي فعلت بها الفعل، واعترف.

 فاجتمع ثلاثة عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي وقع عليها، والذي أغاثها، والمرأة - فقال: أما أنت فقد غفر لك، وقال للذي أغاثها قولاً حسنًا.

فقال عمر - رضي الله عنه -: ارجم الذي اعترف بالزنا، فأبى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: "لا إنه قد تاب".

ومن أقضية الإمام علي أيًضا- رضي الله عنه- " أن امرأة رفعت إليه، وشهد عليها: أنها قد بغت، وكان من قصتها أنها كانت يتيمة عند رجل، وكان للرجل امرأة؛ وكان كثير الغيبة عن أهله، فشبت اليتيمة، فخافت المرأة أن يتزوجها زوجها؛ فدعت نسوة حتى أمسكنها، ففضت بكارتها بإصبعها؛ فلما قدم زوجها من غيبته رمتها المرأة بالفاحشة، وأقامت البينة من جاراتها اللواتي ساعدنها على ذلك.

 فسأل المرأة: ألك شهود؟ قالت: نعم. هؤلاء جاراتي يشهدن بما أقول. فأحضرهن علي، وأحضر السيف، وطرحه بين يديه، وفرق بينهن، فأدخل كل امرأة بيتًا؛ فدعا امرأة الرجل، فأدارها بكل وجه؛ فلم تزل عن قولها، فردها إلى البيت الذي كانت فيه.

ودعا بإحدى الشهود، وجثا على ركبتيه، وقال: قد قالت المرأة ما قالت، ورجعت إلى الحق، وأعطيتها الأمان؛ وإن لم تصدقيني لأفعلن، ولأفعلن.

 فقالت: لا والله، ما فعلت، إلا أنها رأت جمالاً وهيبة، فخافت فساد زوجها؛ فدعتنا وأمسكناها لها، حتى افتضتها بأصبعها؛ قال علي: الله أكبر؛ أنا أول من فرق بين الشاهدين، فألزم المرأة حد القذف؛ وألزم النسوة جميعًا العقر- أي ثمن جرح فض البكارة- ، وأمر الرجل أن يطلق المرأة، وزوجه اليتيمة، وساق إليها المهر من عنده.

 ثم حدثهم الإمام علي: أن النبي دانيال كان يتيمًا، لا أب له ولا أم، وأن عجوزًا من بني إسرائيل ضمته وكفلته، وأن ملكًا من ملوك بني إسرائيل كان له قاضيان.

 وكانت امرأة مهيبة جميلة، تأتي الملك فتناصحه وتقصّ عليه، وأن القاضيين عشقاها،  فراوداها عن نفسها فأبت، فشهدا عليها عند الملك أنها بغت. فدخل الملك من ذلك أمر عظيم فاشتد غمه، وكان بها معجبًا.

 فقال لهما: إن قولكما مقبول، وأجلّها ثلاثة أيام، ثم ترجمونها.

 ونادى في البلد: احضروا رجم فلانة، فأكثر الناس في ذلك، وقال الملك لثقته: هل عندك من حيلة؟ فقال: ماذا عسى عندي؟ - يعني وقد شهد عليها القاضيان - فخرج ذلك الرجل في اليوم الثالث، فإذا هو بغلمان يلعبون، وفيهم دانيال، وهو لا يعرفه. فقال دانيال: يا معشر الصبيان تعالوا حتى أكون أنا الملك، وأنت يا فلان المرأة العابدة، وفلان وفلان القاضيين الشاهدين عليها.

 ثم جمع ترابًا وجعل سيفا من قصب، وقال للصبيان: خذوا بيد هذا القاضي إلى مكان كذا وكذا ففعلوا، ثم دعا الآخر، فقال له: قل الحق، فإن لم تفعل قتلتك، بأي شيء تشهد؟ - والوزير واقف ينظر ويسمع - فقال أشهد أنها بغت، قال: متى؟ قال: في يوم كذا وكذا.

 قال: مع من؟ قال: مع فلان بن فلان. قال: في أي مكان؟ قال في مكان كذا وكذا، فقال: ردوه إلى مكانه، وهاتوا الآخر،  فردوه إلى مكانه، وجاءوا بالآخر.

 فقال: بأي شيء تشهد؟ قال: بغت. قال: متى؟ قال: يوم كذا وكذا، قال: مع من؟ قال: مع فلان بن فلان، قال:وأين؟ قال: في موضع كذا وكذا، فخالف صاحبه، فقال دانيال: الله أكبر، شهدا عليها والله بالزور، فاحضروا قتلهما.

  فذهب الثقة إلى الملك مبادرا، فأخبره الخبر، فبعث إلى القاضيين، ففرق بينهما. وفعل بهما ما فعل دانيال.

 فاختلفا كما اختلف الغلامان. فنادى الملك في الناس: أن احضروا قتل القاضيين، فقتلهما.

اضافة تعليق