مفاهيم يتم تلبيسها بالجهاد.. تعرف عليها

الخميس، 17 يناير 2019 11:18 ص
مفاهيم يتم تلبيسها بالجهاد



هناك مفاهيم يراد لها أن تلتبس وتشتبه مع المعنى الجلي للجهاد؛ منها:



الإرهاب والإرجاف:

 يقول الله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا * سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب: 60-62].


 وهي كلمة لها مفهومها السيئ الذي يعني إثارة الفتن والاضطرابات والقلاقل باستحلال الدماء والأموال بين أبناء المجتمع الواحد تحت دعاوى مختلفة منها: التكفير للحاكم أو للدولة أو لطوائف معينة من الناس، ومنها استحلال دماء المسلمين تحت دعوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو استحلال دماء غير المسلمين في بلادهم أو أولئك الذين دخلوا البلاد الإسلامية بدعوى أن دولهم تحارب الإسلام… إلى آخر ذلك من دعاوى الإرجاف التي يُسَوِّلُها الشيطان للمرجفين، والتي كان بعضها سببًا لظهور الخوارج في زمن الصحابة ومن جاء بعدهم وشُبُهًا يبررون بها إفسادهم في الأرض وسفكهم للدماء المحرمة.


وتقول دار الإفتاء المصرية، إن الحكم يختلف تبعًا لاختلاف المفهوم؛ فما تفعله هذه التيارات في بلاد المسلمين من قتل للسائحين، أو في بلاد غير المسلمين من عمليات انتحارية، أو غير ذلك من أفعال التخريب التي أفرزتها مناهج الإرجاف الضالة، فهذا كله حرام، وهو نوع من البغي الذي جاء الشرع بصده ودفعه، بل وقتال أصحابه إن لم يرتدعوا عن إيذائهم للمسلمين ولغير المسلمين مواطنين ومستأمنين، وتسميته جهادًا ما هو إلا تدليس وتلبيس حتى ينطلي هذا الفساد والإرجاف على ضعاف العقول، وهذا بَغْيٌ في الأرض بغير الحق يُعَدُّ أصحابُه بغاةً يُقاتَلون إن كانت لهم منعة وشوكة حتى يرجعوا عن بغيهم وإرجافهم.


الحرابة والبغي:


 والجهاد في الإسلام إنما هو لتحقيق غايتين اثنتين:



الأولى: الدفاع عن المسلمين، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190].



الثانية: الدفاع عن حرية الناس في الإيمان بالإسلام أو البقاء على ما هم عليه، وهذه هي الفتنة التي أُمرنا أن نقاتل حتى نرفعها عن الناس؛ ليختاروا دينهم بحرية كاملة، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 193]. ومن الواضح أن الجهاد لتحقيق هاتين الغايتين لا يكون إلا ضدَّ عدو خارجي.





أما استعمال القتل والترويع وتدمير الممتلكات داخل المجتمع المسلم، كما هو الحال في الأعمال التفجيرية في بلاد المسلمين فيسمى عند الفقهاء بـ"الحرابة"، والحرابة بغي وإفساد في الأرض، والمتلبس بها مستحق لأقصى عقوبات الحدود من القتل والسرقة والزنا؛ لأنه إفساد منظَّمٌ يتحرك صاحبه ضد المجتمع. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 33].







ولا يجوز ذلك أيضًا في الدول والمجتمعات غير المسلمة، فإذا أضيف إلى ذلك وجود المعاهدات الدولية بينهم وبين المسلمين وأنهم يفتحون باب الدعوة للمسلمين كما يفعلون ذلك مع غير المسلمين فإن القيام بهذه العمليات الإجرامية أشد حرمة وأكثر فسادًا، بل إنه حتى مع قيام الحرب الفعلية فإن التعميم في القتال غير جائز؛ إذ لا يجوز قتل النساء غير المقاتلات والأطفال والشيوخ العجزة والعُسَفَاء -وهم الأُجَراء الذين يعملون في غير شؤون القتال-، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]، وقد نقل الإمام الطاهر بن عاشور في "تفسيره" عن ابن عباس رضي الله عنهما وعمر بن عبد العزيز ومجاهد أن هذه الآية محكمة لم تنسخ، قال: [لأن المراد بالذين يقاتلونكم الذين هم متهيئون لقتالكم أي لا تقاتِلوا الشيوخ والنساء والصبيان].



وروى الترمذي عن سليمان بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا بعث أميرًا على جيش أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، فقال: «اغْزُوا بِسْمِ اللهِ وَفِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا».



وروى أحمد في "مسنده" عن المرقع بن صيفي عن جده رباح بن الربيع أخي حنظلة الكاتب أنه أخبره أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة غزاها وعلى مقدمته خالد بن الوليد، فمر رباح وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على امرأة مقتولة مما أصابت المقدمة فوقفوا ينظرون إليها ويتعجبون من خلقها حتى لحقهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على راحلته فانفرجوا عنها، فوقف عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ»، فقال لأحدهم: «الْحَقْ خَالِدًا فَقُلْ لَهُ: لَا تَقْتُلُوا ذُرِّيَّةً، وَلَا عَسِيفًا».



وإذا اعتبرنا أن العلة في القتال هي المحاربة فإن كل من لا يقاتل يلحق بما ورد ذكره في النصوص الشرعية كالأعمى والمريض المزمن والمعتوه والفلاح وأمثالهم، وهؤلاء هم من يسمون في المصطلح المعاصر بـ"المدنيين" فلا يجوز إذايتهم ولا إتلاف أموالهم فضلًا عن قتلهم، فقتل المدنيين من الكبائر.



الأعمال التفجيرية ومغالطة التبييت



فما تفعله هذه الطوائف الباغية من التعرض للسائحين والهجوم عليهم وقتلهم، هو افتئات على حكام المسلمين بل هو افتئات على الأمة كلها وخرق لذمتها بما يفقدها مصداقيتها.



واستدلال هؤلاء على جواز العمليات التفجيرية بما ثبت في السنة الشريفة من جواز تبييت المشركين والغارة عليهم إنما هو مغالطة مفضوحة وقياس فاسد؛ لأن التبييت والغارة لا يكونان إلا مع نبذ العهد والأمان أو ما يعرف في عصرنا الحالي بـ"حالة إعلان الحرب"، ولا تجوز الغارة والتبييت أبدًا مع وجود العهد والأمان.







قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: 58]، قال الشافعي: فإذا جاءت دلالة على أن لم يوفِّ أهل هدنة بجميع ما هادنهم عليه فله أن ينبذ إليهم، ومَن قلت له: أن ينبذ إليه، فعليه أن يُلحقه بمأمنه، ثم له أن يحاربه كما يحارب من لا هدنة له.



وقياس ما يفعله الانتحاريون على الخديعة الجائزة في الحرب قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ فإن هناك فارقًا كبيرًا وبونًا شاسعًا بين خيانة عهد الأمان اللازم وبين الخديعة المباحة في الحرب.



المغالطة بمسألة التترس:



ومن مغالطات هؤلاء البغاة وشبههم التي يبررون بها فسادهم وإفسادهم: قياس قتل السياح بما فيهم من النساء والأطفال على مسألة التترس التي يذكرها العلماء.



وهذا قياس فاسد؛ لأن الفرق واضح بين صورة التترس التي ذكرها الفقهاء والصورة التي يحاول فيها هؤلاء تبرير أفعالهم الإجرامية، فحالة الحرب التي يقوم أثناءها العدو بالتترس بالنساء والصبيان أو المسلمين لمنع قوات المسلمين من مهاجمتهم إنما هي حالة ضرورة، ومع هذا إذا لم تَدْعُ ضرورةٌ لقتل الترس تركنا قتله، والضرورة لها ضوابط واضحة وقاطعة ذكرها الفقهاء، وأما القصد ابتداءً إلى جماعة من السياح فيهم رجال ونساء وأطفال وقتلهم قتلًا عامًّا خيانةً وغدرًا دون تترس ولا ضرورة لقتلهم، فهو عدوان محض لا تتحقق فيه صورة التترس ولا شيء من المعاني المراعاة فيه، ولو تركوهم كلهم لأجل مَن فيهم من النساء والأطفال فلن يتسبب ذلك في منع الجهاد ولا في جعله طريقًا إلى الظفر بالمسلمين. وكلام علماء الشريعة في مسألة التترس بالمسلمين إنما هو إذا دعت الضرورة وكان ذلك حال التحام القتال، ولا علاقة لذلك بما يروج له البغاة والمرجفون.

اضافة تعليق