لا تسخر من أحد.. ربما كان وليّا فتخسر

الخميس، 17 يناير 2019 09:17 ص
لا تسخر من أحد.. ربما كان وليّا فتخسر


هناك الكثير من يرى أن كرامات الأولياء ما هي إلا ضرب من ضروب الجدل وأنها لا حقيقة لها، بينما يرى فريق آخر أنه لا مانع من ظهور كرامات لأولياء الله، طالما أنها لا تصطدم مع صحيح الكتاب والسنة النبوية.

فعن معاذ بن جبل، رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى قال: من آذى لي وليًا، وفي آخر: من أهان لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبد بشيء أحب مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، إن سألني لأعطينه وإن استعاذني لأعيذنّه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ما ترددت في قبض نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته» .

وقال الله تعالى لموسى بن عمران حين كلمه: واعلم أن من أهان لي وليًا، أو أخافه فقد بارزني بالمحاربة، وبادأني وعرض بنفسه ودعاني إليها، فأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي، أيظن الذي يحاربني أن يقوم لي أو يظن الذي يغازيني أن يعجزني، أو يظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني وكيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة لا أكل نصرتهم إلى غيري».

يتساءل البعض: هل يكون الولي معصومًا؟


قيل: إما وجوبًا كما في الأنبياء فلا، وإما أن يكون محظوظًا فممكن، فإن قيل: فهل يجوز أن يعلم الولي ولايته؟

قيل: ليس ذلك واجبًا في جميع الأولياء، حتى يكون كل ولي يعلم أنه ولي، ولكن يجوز أن يعلم ذلك، ولهذا قال بعضهم: يجوز أن يبلغ الولي إلى حد يمنع يسقط عنه الخوف، ولكن الغالب خلافه.

 يقول العارف السري السقطي: لو أن أحدًا دخل بستانًا فيه أشجار على كل شجرة طير يقول بلسان فصيح: السلام عليك يا ولي الله فلو لم يخف أنه مكر، لكان ممكورًا به.

ولابد أن يعرف أن الكرامة الواقعة لولي هي في الحقيقة من معجزات النبي الذي هذا الولي متبع له، لأنها إنما ظهرت بسبب اتباعه وبركته.

ومن الدليل على وقوع الكرامة، قصة الخضر مع موسى عليهما الصلاة والسلام، وقصة ذي القرنين، وما أخبر الله في مريم بقوله: «كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقًا، قال يا مريم أنى لك هذا؟ قالت هو من عند الله».

قال ابن عباس وغيره: وكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، وقوله تعالى: «وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبًا جنيًا».

وكذلك قصة «آصف بن برخيا» عليه السلام مع سليمان عليه السلام في إحضاره عرش بلقيس قبل ارتداد الطرف، كما قال عز وجل: «قال الذي عنده علم من الكتاب: أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك».

 كما دلّت السنة أيضًا على وقوع الكرامات لأولياء الله ومنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كان في الأمم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد منهم فعمر بن الخطاب رضي الله عنه».

واعترضت المعتزلة بأن الخوارق لو ظهرت على يد غير الأنبياء لالتبس النبي بالمتنبئ، لأن تمييز الأنبياء عن غيرهم إنما هو بسبب ظهور خوارق العادات منهم، إذ الأمة تشاركهم في الإنسانية ولوازمها، ولولا ظهور المعجزة منهم لما تميزوا عن غيرهم فلو جاز أن يظهر الخارق للعادة على غيرهم لالتبس النبي بالمتنبئ.

 والجواب: لا نسلم حصول اللبس، بل يتميز النبي بالتحدي، ودعوى النبوة هنا هو الفرق بين المعجزة والكرامة، واختلف في تجويز الكرامات على حكم الاختيار، شرط الكرامة صدورها بلا اختيار من الولي، وأن الكرامة تفارق المعجزة من هذا الوجه.

وظهور الكرامة لا تدل على أفضلية صاحبها، وإنما تدل على صدقه وفضله، وقد تكون لقوة يقين صاحبها، وإنما الأفضلية بقوة اليقين، وكمال المعرفة.

وقد قال أستاذ هذه الطريقة أبو القاسم الجنيد رحمه الله تعالى: مشى رجال باليقين على الماء، ومات بالعطش أفضل منهم، لأنهم يقصدون ادخار الكرامة للآخرة، ويدلك على ما ذكرنا من أن الكرامة لا تدل على الأفضلية.

سؤال: لماذا كثرت الكرامات بعد عصر الصحابة؟

قال الإمام أحمد بن حنبل: وذلك لأن إيمان الصحابة قوي بخلاف إيمان من بعدهم، فاحتاجوا إلى زيادة تقوى إيمانهم، وأيضًا فلأن الزمان الأول كثير النور لا يفتقرون لزيادة تقوى، ولو حصلت لم تظهر لاضمحلالها في زمن النبوة بخلاف الظلام، والنجوم لا يظهر لها ضوء مع الشمس، ولهذا قال بعض المشايخ في مريم ابنة عمران رضي الله عنها: إنها كانت في بدايتها يصرف إليها بخرق العادة بغير سبب، تقوية لإيمانها، فكانت «كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا، قال: يا مريم أنى لك هذا؟ قالت: هو من عند الله».
ولما قوي إيمانها ردت البيت، فقيل لها: «وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبًا جنيًا».

ولهذا سأل موسى ربه مع كمال رتبته بقوله: «رب أرني أنظر إليك».
وقال في موضع آخر: «لما أنزلت إلي من خير فقير» .


قال علي وغيره: والله، ما طلب إلا خبزًا يأكله، ونادى باسم الربوبية، فإن الرب من رباك بإحسانه، وغناك بإنعامه، فإن قلت: فلأي شيء لم يطلب الخليل عليه الصلاة والسلام حين رمي بالمنجنيق في النار، قد تعرض له جبريل، وقال: ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، وأما إلى الله فلي، قال: سله قال:

حسبي من سؤالي علمه بحالي؟

 فالجواب: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يعاملون كل مقام بما يفهمون عن الله تعالى أنه الأليق بهم، ففهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن مراد الحق في ذلك المقام، عدم إظهار الطلب والاكتفاء بالعلم.

كرامات عجيبة:

غزا العارف أبو عبيدة السري رحمه الله تعالى سنة، فجرح في السرية فمات المهر، وهو في السرية فقال: يا رب، أعرني إياه إلى قريتي فإذا المهر قائم، فلما غزا ورجع، قال لابنه خذ السرج عن المهر، فقال: إنه عرق.
 فقال: إنه عارية، فلما أخذ السرج وقع ميتًا.

وعن الشيخ سعيد الحراز قال: كنت مجاورًا بمكة، حرسها الله تعالى، فجزت يومًا بباب بني شيبة فرأيت شابًا حسن الوجه ميتًا، فنظرت له، فنظر في وجهي وتبسم، وقال: أما علمت أن الأحباب أحياء وإن ماتوا، وإنما ينقلون من دار إلى دار.

وفيها أيضًا عن بعضهم: كنا في مركب فمات رجل معنا فأخذنا في جهازه وقصدنا أن نلقيه، فصار البحر جافًا، ونزلت السفينة فخرجنا وحفرنا له قبرًا ودفناه، فلما فرغنا جاء الماء وارتفع واستوى المركب وسرنا.

اضافة تعليق