"بشر الحافي" من قاطع طريق إلى "سيد الزهاد".. هذه قصة توبته

الإثنين، 14 يناير 2019 12:44 م
«سيد الزهاد» بشر الحافي.. كان قاطعا للطريق..هذه قصة توبته


كان مضرب الأمثال في الزهد والورع ومن عباد الله الصالحين وأعيان الأتقياء الورعين، وأول أجداده دخولاً في الإسلام أسلم على يد الإمام على رضى الله عنه.

بشر الحافي:
أبو نصر بشر بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال بن ماهان بن عبد الله، أصله من مرو من قرية من قراها، وسكن بغداد، وكان من أولاد الرؤساء والكتاب.

وسبب توبته أنه أصاب في الطريق ورقة مكتوبًا فيها اسم الله تعالى، وقد داستها الأقدام، فأخذها واشترى بدراهم كانت معه غاليةً فطيب بها الورقة وجعلها في شق حائط، فرأى في النوم كأن قائلاً يقول له: يا بشر، طيبت اسمي لأطيبن اسمك في الدنيا والآخرة، فلما تنبه من نومه تاب.

وإنما لقب بالحافي، لأنه جاء إلى إسكاف يطلب منه شسعًا لإحدى نعليه، وكان قد انقطع، فقال له الإسكاف: ما أكثر كلفتكم على الناس! فألقى النعل من يده والأخرى من رجله، وحلف لا يلبس نعلاً بعدها.

وقيل لبشر: بأي شيء تأكل الخبز فقال: أذكر العافية فأجعلها إدامًا.

ومن دعائه: اللهم إن كنت شهرتني في الدنيا لتفضحني في الآخرة فاسلبه عني.

 ومن كلامه: عقوبة العالم في الدنيا أن يعمى بصر قلبه.. من طلب الدنيا فليتهيأ للذل.

 وقال بعضهم: سمعت بشرًا يقول لأصحاب الحديث: أدوا زكاة هذا الحديث، قالوا: وما زكاته قال: اعملوا من كل مائتي حديث بخمسة أحاديث.

وقال الجوهري: سمعت بشر بن الحارث يقول في جنازة أخته: إن العبد إذا قصر في طاعة الله سلبه الله من يؤنسه.

 وقال بشر: كنت في طلب صديق لي ثلاثين سنة فلم أظفر به، فمررت في بعض الجبال بأقوام – معوقين- مرضي وزمني وعمي وبُكْم، فسألتهم، فقالوا: في هذا الكهف رجل يمسح عليهم بيديه فيبرأون بإذن الله تعالى وبركة دعائه، قال: فقعدت أنتظر، فخرج شيخ عليه جبة صوف فلمسهم ودعا لهم، فكانوا يبرأون من عللهم بمشيئة الله تعالى؛ قال: فأخذت ذيله فقال: اتركني يراك تأنس بغيره فتسقط من عينه، ثم تركني ومضى.

وكان لبشر ثلاث أخوات، وهن مضغة، ومخة، وزبدة، وكن زاهدات عابدات ورعات، وأكبرهن مضغة ماتت قبل موت أخيها بشر، فحزن عليها بشر حزنًا شديدًا، وبكى بكاء كثيرًا، فقيل له في ذلك، فقال: قرأت في بعض الكتب أن العبد إذا قصر في خدمة ربه سلبه أنيسه، وهذه أختي مضغة كانت أنيستي في الدنيا.

وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: دخلت امرأة على أبي فقالت له: يا أبا عبد الله، إني امرأة أغزل في الليل على ضوء السراج، وربما طفىء السراج فأغزل على ضوء القمر، فهل علي أن أبين غزل السراج من غزل القمر فقال لها أبي: إن كان عندك بينهما فرق فعليك أن تبيني ذلك، فقالت له: يا أبا عبد الله أنين المريض هل هو شكوى فقال لها: إني أرجو أن لا يكون شكوى، ولكن هو اشتكاء إلى الله تعالى، ثم انصرفت.

 قال عبد الله: فقال لي أبي: يا بني ما سمعت إنسانًا قط يسأل عن مثل ما سألت هذه المرأة، اتبعها؛ قال عبد الله: فتبعتها إلى أن دخلت دار بشر الحافي، فعرفت أنها أخت بشر، فأتيت أبي فقلت له: إن المرأة أخت بشر الحافي، فقال أبي: هذا والله هو الصحيح، محال أن تكون هذه المرأة إلا أخت بشر الحافي.
وقال عبد الله أيضًا: جاءت مخة أخت بشر الحافي إلى أبي فقالت: يا أبا عبد الله، رأس مالي دانقان أشتري بهما قطنا فأغزله وأبيعه بنصف درهم، فأنفق دانقاً من الجمعة إلى الجمعة، وقد مر الطائف ليلة ومعه مشعل فاغتنمت ضوء المشعل وغزلت طاقين في ضوئه، فعلمت أن الله سبحانه وتعالى في مطالبة، فخلصني من هذا خلصك الله تعالى، فقال أبي: تخرجين الدانقين ثم تبقين بلا رأس مال حتى يعوضك الله خيرا منه؛ قال عبد الله: فقلت لأبي: لو قلت لها حتى تخرج رأس مالها، فقال: يابني سؤالها لا يتحمل التأويل، فمن هذه المرأة فقلت هي مخة أخت بشر الحافي، فقال أبي: من ههنا أتيت.

وقال بشر الحافي: تعلمت الزهد من أختي فإنها كانت تجتهد أن لا تأكل ما لمخلوق فيه صنع.
وقد أثنى على بشر غير واحد من الأئمة في عبادته وزهادته وورعه ونسكه وتقشفه.
 قال الإمام أحمد يوم بلغه موته: لم يكن له نظير إلا عامر بن عبد قيس، ولو تزوج لتم أمره.
وقال إبراهيم الحربي: ما أخرجت بغداد أتم عقلا منه، ولا أحفظ للسانه منه، ما عرف له غيبة لمسلم، وكان في كل شعرة منه عقل. ولو قسم عقله على أهل بغداد لصاروا عقلاء وما نقص من عقله شيء.

 وذكر غير واحد أن بشرًا كان شاطرًا – لصًا- في بدء أمره، وأن سبب توبته أنه وجد رقعة فيها اسم الله عز وجل في حمام فرفعها ورفع طرفه إلى السماء وقال: سيدي اسمك هاهنا ملقى يداس! ثم ذهب إلى عطار فاشترى بدرهم عطرًا، وعطّر تلك الرقعة منها ووضعها حيث لا تنال، فأحيا الله قلبه وألهمه رشده وصار إلى ما صار إليه من العبادة والزهادة.

وكانت وفاته يوم عاشوراء ببغداد في هذه السنة، سنة ست وعشرين ومائتين، وحين مات اجتمع في جنازته أهل بغداد عن بكرة أبيهم، فأخرج بعد صلاة الفجر فلم يستقر في قبره إلا بعد العتمة.

اضافة تعليق