"زين العابدين بن الحسين".. تواضع..عبادة.. وريادة

الإثنين، 14 يناير 2019 10:53 ص
«زين العابدين بن الحسين»..تواضع ..عبادة وريادة


لم ينج من ولد الحسين بن علي- رضي الله عنهما- في مذبحة كربلاء من القتل سوى ابنه "علي بن الحسين"، وشاء الله أن يكون نسل الإمام الحسين كله من ولده المعروف بـ" زين العابدين"، وكان أفضل آل البيت في زمانه.

زين العابدين
علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم أجمعين، يقال له علي الأصغر، وليس للحسين، رضي الله عنه، عقب إلا من ولده هذا؛ وهو أحد الأئمة الاثني عشر ومن سادات التابعين، قال الزهري: ما رأيت قرشيًا أفضل منه، وأمه سلافة بنت يزدجرد آخر ملوك فارس.

وكان عمره مع أبيه يوم قتل ثلاث وعشرين سنة، وهو مريض، فقال عمر بن سعد قائد الكتية التي قتلت الإمام الحسين: لا تعرضوا لهذا المريض.

وعندما قدم الصحابة، المدينة، في خلافة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، بسبي فارس، كان بين من تم سبيهم، ثلاث بنات ليزدجرد، فباعوا السبايا.

وأمر "الفاروق" ببيع بنات يزدجرد أيضًا، فقال له علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: "إن بنات الملوك لا يعاملن معاملة غيرهن من بنات السوقة"، فقال: كيف الطريق إلى العمل معهن، قال: يقوّمن مهما بلغ ثمنهن، فقوّمن وأخذهن علي، رضي الله عنه، فدفع واحدة لعبد الله بن عمر، وأخرى لولده الحسين، وأخرى لمحمد بن أبي بكر الصديق، وكان ربيبه، رضي الله عنهم أجمعين.\
فأولد عبد الله أمته سالمًا، وأولد الحسين زين العابدين، وأولد محمد ولده القاسم، فهؤلاء الثلاثة بنو خالة، وأمهاتهم بنات يزدجرد.
وحكى أن رجلاً من قريش قال: كنت أجالس سعيد بن المسيب، فقال لي يومًا: من أخوالك؟ فقلت له: أمي فتاة، - من الموالي- فكأني نقصت من عينه.

فأمهلت حتى دخل سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله عنهم، فلما خرج من عنده، قلت: يا عم من هذا فقال: سبحان الله، أتجهل مثل هذا من قومك هذا سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، قلت: فمن أمه قال: فتاة.

قال: ثم أتاه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، فجلس عنده ثم نهض، قلت: يا عم، من هذا فقال: أتجهل من أهلك مثله ما أعجب هذا، هذا القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، قلت: فمن أمه قال: فتاة، قال: فأمهلت شيئًا، حتى جاءه علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه فسلم عليه ثم نهض، فقلت: يا عم، من هذا قال: هذا الذي لا يسعُ مسلمًا أن يجهله، هذا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، فقلت: من أمه قال: فتاة.
 فقلت: يا عم، رأيتني نقصت في عينك لما علمت أن أمي فتاة، أفما لي في هؤلاء أسوة قال: فجللت في عينه جدًا.

وكان أهل المدينة يكرهون اتخاذ أمهات الأولاد، حتى نشأ فيهم علي بن الحسن والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله، ففاقوا فقهًا وورعًا، فرغب الناس في الجواري.
أخلاقه:
وكان زين العابدين كثير البر بأمه، حتى قيل له: إنك أبر الناس بأمك، ولسنا نراك تأكل معها في صحفة، فقال: أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها فأكون قد عققتها.
وكان من أورع الناس وأعبدهم وأتقاهم لله عزوجل، وكان إذا مشى لا يهزّ بيده، وكان يعتم بعمامة بيضاء يرخيها من ورائه. واشتهر بأنه كان ثقة مأمونًا كثير الحديث عالًيا رفيعًا ورعًا.
 وذكروا أنه احترق البيت الذي هو فيه وهو قائم يصلي، فلما انصرف قالوا له: مالك لم تنصرف؟ فقال: إني اشتغلت عن هذه النار بالنار الأخرى، وكان إذا توضأ يصفر لونه، فإذا قام إلى الصلاة ارتعد من الفرق، فقيل له في ذلك فقال: ألا تدرون بين يدي من أقوام ولمن أناجي؟.

ولما حج أراد أن يلبي فارتعد وقال: أخشى أن أقول لبيك اللهم لبيك، فيقال لي: لا لبيك، فشجعوه على التلبية، فلما لبى غشي عليه حتى سقط عن الراحلة.

وقال طاووس: سمعته وهو ساجد عند الحجريقول: "عبيدك بفنائك، سائلك بفنائك.. فقيرك بفنائك"، قال طاووس: "فوالله ما دعوت بها في كرب قط إلا كشف عني".

وقد كان كثير الصدقة بالليل، وكان يقول صدقة الليل تطفئ غضب الرب، وتنور القلب والقبر، وتكشف عن العبد ظلمة يوم القيامة، وقاسم الله تعالى ماله مرتين.

وقال محمد بن إسحاق صاحب السيرة النبوية: "كان ناس بالمدينة يعيشون لا يدرون من أين يعيشون ومن يعطيهم، فلما مات علي بن الحسين، فقدوا ذلك فعرفوا أنه هو الذي كان يأتيهم في الليل بما يأتيهم به".

ولما مات وجدوا في ظهره وأكتافه، آثر حمل الدقيق إلى بيوت الأرامل والمساكين في الليل.

وقيل إنه كان يعول مائة أهل بيت بالمدينة ولا يدرون بذلك حتى مات.

ونال منه رجل يومًا فجعل يتغافل عنه - يريه أنه لم يسمعه - فقال له الرجل: إياك أعني، فقال له علي: وعنك أغضي.

وخرج يومًا من المسجد، فسبّه رجل فانتدب الناس إليه، فقال: دعوه، ثم أقبل عليه فقال: ما ستره الله عنك من عيوبنا أكثر، ألك حاجة نعينك عليها؟ فاستحيا الرجل فألقى إليه خميصة كانت عليه، وأمر له بألف درهم، فكان الرجل بعد ذلك إذا رآه يقول: إنك من أولاد الأنبياء.

قالوا: واختصم علي بن الحسين وحسن بن حسن - وكان بينهما منافسة - فنال منه حسن بن حسن وهو ساكت، فلما كان الليل ذهب علي بن الحسين إلى منزله فقال: يابن عم إن كنت صادقا يغفر الله لي، وإن كنت كاذبا يغفر الله لك والسلام عليك، ثم رجع، فلحقه فصالحه.

وقيل له:  من أعظم الناس خطرًا؟ فقال: من لم ير الدنيا لنفسه قدرًا،  وقال أيضا: الفكرة مرآة تري المؤمن حسناته وسيئاته، وقال: فقد الأحبة غربة.

نصائحه:
 وكان يقول: إن قومًا عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وآخرون عبدوه رغبة فتلك عبادة التجار، وآخرون عبدوه محبة وشكرًا فتلك عبادة الأحرار الأخيار.

وقال لابنه: يا بني لا تصحب فاسقًا، فإنه يبيعك بأكلة وأقل منها يطمع فيها ثم لا ينالها، ولا بخيلاً فإنه يخذلك في ماله أحوج ما تكون إليه، ولا كذابًا فإنه كالسراب يقرب منك البعيد ويباعد عنك القريب، ولا أحمقًا فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، ولا قاطع رحم فإنه ملعون في كتاب الله .

وكان علي بن الحسين إذا دخل المسجد تخطى الناس حتى يجلس في حلقة زيد بن أسلم، فقال له نافع بن جبير بن مطعم: غفر الله لك، أنت سيد الناس تأتي تخطي حلقات أهل العلم وقريش حتى تجلس مع هذا العبد الأسود؟

 فقال له علي بن الحسين: إنما يجلس الرجل حيث ينتفع، وإن العلم يطلب حيث كان.

وقال الزهري: كان أكثر مجالستي مع علي بن الحسين، وما رأيت أفقه منه، وكان قليل الحديث، وكان من أفضل أهل بيته وأحسنهم طاعة، وأحبهم إلى مروان وابنه عبد الملك، وكان يسمى زين العابدين.

وقال جويرية بن أسماء: ما أكل علي بن الحسين بقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم درهما قط.

وكان يقول: سادة الناس في الدنيا الأسخياء الأتقياء، وفي الآخرة أهل الدين وأهل الفضل والعلم الأتقياء، لأن العلماء ورثة الأنبياء.

وقال أيضًا: إني لأستحي من الله عزوجل أن أرى الأخ من إخواني فأسأل الله له الجنة وأبخل عليه بالدنيا، فإذا كان يوم القيامة قيل لي فإذا كانت الجنة بيدك كنت بها أبخل، وأبخل.

وذكروا أنه كان كثير البكاء فقيل له في ذلك فقال: إن يعقوب عليه السلام بكى حتى ابيضت عيناه على يوسف، ولم يعلم أنه مات، وإني رأيت بضعة عشر من أهل بيتي يذبحون في غداة واحدة، فترون حزنهم يذهب من قلبي أبدا؟

وصبّت جارية لعلي بن الحسين عليه ماء ليتوضأ فسقط الإبريق من يدها على وجهه فشجه، فرفع رأسه إليها فقالت الجارية: إن الله يقول "والكاظمين الغيظ"، فقال: وقد كظمت غيظي، قالت "والعافين عن الناس"، فقال: عفا الله عنك.
فقالت "والله يحب المحسنين"، قال: أنت حرة لوجه الله تعالى. وكان إذا خرج من بيته قال: اللهم إني أتصدق اليوم - أو أهب عرضي اليوم - من استحله.
ومات لرجل ولد مسرف على نفسه فجزع عليه من أجل إسرافه، فقال له علي بن الحسين: إن من وراء ابنك خلالا ثلاثا، شهادة أن لا إله إلا الله، وشفاعة رسول الله، ورحمة الله عزوجل.

وقارف الزهري ذنبا فاستوحش منه وهام على وجهه وترك أهله وماله، فلما اجتمع بعلي بن الحسين قال له: يا زهري قنوطك من رحمة الله التي وسعت كل شئ أعظم من ذنبك، فقال الزهري: "الله أعلم حيث يجعل رسالاته".

وفي رواية: أن الزهري كان أصاب دما حراما خطأ فأمره علي بالتوبة والاستغفار وأن يبعث الدية إلى أهله، ففعل ذلك، وكان الزهري يقول: علي بن الحسين أعظم الناس علي منة.

وقال سفيان بن عيينة كان علي بن الحسين يقول: لا يقول رجل في رجل من الخير مالا يعلم إلا أوشك أن يقول فيه من الشر ما لا يعلم، وما اصطحب اثنان على معصية إلا أوشك أن يفترقا على غير طاعة.

وعن الزهري قال: سمعت علي بن الحسين سيد العابدين يحاسب نفسه ويناجي ربه:  يا نفس إلى الدنيا سكونك، وإلى عمارتها ركونك، أما اعتبرت بمن مضى من أسلافك ومن وارته الأرض من ألافك؟ ومن فجعت به من إخوانك، ونقل إلى الثرى من أقرانك؟ فهم في بطون الأرض بعد ظهورها، محاسنهم فيها بوال دواثر".

وعن علي بن الحسين قال: إن الجسد إذا لم يمرض أشر وبطر، ولا خير في جسد يأشر ويبطر.

وكان يقول: اللهم إني أعوذ بك أن تحسن في لوامع العيون علانيتي، وتقبح في خفيات الغيوب سريرتي، اللهم كما أسأت وأحسنت إلي، فإذا عدت فعد إلي.

وفضائل زين العابدين ومناقبه أكثر من أن تحصر.. وكانت ولادته يوم الجمعة في سنة ثمان وثلاثين للهجرة، وتوفي سنة أربع وتسعين ، ودفن في البقيع في قبر عمه الحسن بن علي، رضي الله تعالى عنه.

اضافة تعليق