فكر "الخوارج".. من هنا كانت البداية.. وهكذا تصدى لهم "الإمام علي"

الإثنين، 14 يناير 2019 10:49 ص
«الخوارج».. ما أصلهم وكيفية ظهورهم..هذه قصتهم



نسمع دائمًا عن الخوارج وأنهم أسرع الناس إلى سفك واستحلال الدماء، على الرغم من عبادتهم الشديدة وزهدهم في الدنيا، وقد تنبأ النبي صلى الله عليه وسلم بظهورهم، وقاتلهم الإمام علي رضى الله عنه شر قتلة، لما كان يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم في شأنهم.

ظهر أول جذور الخوارج في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك حينما كان يقسم الغنائم يوم حنين، حيث آثر أناسًا من أشراف العرب، إذ قام إليه رجل - من تميم-  يقال له ذو الخويصرة، فوقف عليه وهو يعطي الناس فقال: يا محمد قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «أجل، فكيف رأيت؟» قال: لم أرك عدلت، اعدل.
 فغضب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقال: «شقيت إن لم أعدل، ويحك إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟»، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله دعني أقتل هذا المنافق، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، دعوه فإنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية،.. يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم.. إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية، آيتهم أن فيهم رجلاً أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، يخرجون على حين فرقة من الناس».

قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، وأمر بذلك الرجل فالتمس حتى أتى به، حتى نظرت إليه على نعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الذي نعت.

وعن علي: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يخرج قوم في آخر الزمان حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم إلى يوم القيامة.

 ظهورهم:
لما وقع الصلح أو اللجوء إلى التحكيم بين الإمام علي ومعاوية بن أبي سفيان في موقعة صفين، ظهر أمر الخوارج وبالغوا في النكير على علي وصرحوا بكفره، فجاء إليه رجلان منهم، وهما زرعة بن البرج الطائي، وحرقوص بن زهير السعدي فقالا: لا حكم إلا لله، فقال علي: لا حكم إلا لله، فقال له حرقوص: تب من خطيئتك واذهب بنا إلى عدونا حتى نقاتلهم حتى نلقى ربنا.

 فقال علي: قد أردتكم على ذلك فأبيتم، وقد كتبنا بيننا وبين القوم عهودا وقد قال الله تعالى: «وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم».

 فقال له حرقوص: ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه، فقال علي: ما هو بذنب ولكنه عجز من الرأي، وقد تقدمت إليكم فيما كان منه، ونهيتكم عنه، فقال له زرعة بن البرج: أما والله يا علي لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله لأقاتلنك، أطلب بذلك رحمة الله ورضوانه.

فقال على: تبًا لك ما أشقاك، كأني بك قتيلاً تسفي عليك الريح، فقال: وددت أن قد كان ذلك، فقال له علي: إنك لو كنت محقاً كان في الموت تعزية عن الدنيا، ولكن الشيطان قد استهواكم.

فخرجا من عنده يحكمان وفشا فيهما ذلك، وجاهرا به الناس، وتعرضا لعلي في خطبه وأسمعه السب والشتم والتعريض بآيات من القرآن، وذلك أن عليًا قام خطيبًا في بعض الجمع، فذكر أمر الخوارج فذمه وعابه.

فقام جماعة منهم، كل يقول: لا حكم إلا لله، وقام رجل منهم وهو واضع أصبعه في أذنيه يقول: «"ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين».
فجعل عليّ يقلّب يديه هكذا وهكذا وهو على المنبر، ويقول: حكم الله ننتظر فيكم، ثم قال: إن لكم علينا أن لا نمنعكم مساجدنا ما لم تخرجوا علينا ولا نمنعكم نصيبكم من هذا الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا تقاتلكم حتى تقاتلونا.

 ولما بعث الإمام علي، أبا موسى الأشعري لإنفاذ التحكيم، اجتمع الخوارج في منزل عبد الله بن وهب الراسبي فخطبهم خطبة بليغة زهدهم في هذه الدنيا، ورغبهم في الآخرة والجنة،وحثهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم قال: فاخرجوا بنا إخواننا من هذه القرية الظالم أهلها، إلى جانب هذا السواد إلى بعض كور الجبال، أو بعض هذه المدائن، منكرين لهذه الأحكام الجائرة.

وانتشر الأمر بذلك واجتمع مع  هؤلاء الجهلة الضلال، والأشقياء في الأقوال والأفعال، رأيهم على الخروج من بين أظهر المسلمين، وتواطئوا على المسير إلى المدائن ليملكوها على الناس ويتحصنوا بها ويبعثوا إلى إخوانهم وأضرابهم- ممن هو على رأيهم ومذهبهم، من أهل البصرة وغيرها- فيوافوهم إليها، ويكون اجتماعهم عليها.
وخرجوا يتسللون لئلاً يعلم أحد بهم، فيمنعوهم من الخروج فخرجوا من بين الآباء والأمهات والأخوال والخالات وفارقوا سائر القرابات، يعتقدون بجهلهم وقلة علمهم وعقلهم أن هذا الأمر يرضي رب الأرض والسموات، ولم يعلموا أنه من أكبر الكبائر الموبقات، والعظائم والخطيئات، وأنه مما زينه لهم إبليس الشيطان الرجيم المطرود عن السموات الذي نصب العداوة لأبينا آدم ثم لذريته ما دامت أرواحهم في أجسادهم.

ورعهم الكاذب:
ولما عزم الإمام علي الخروج إلى الشام، فبينما هو كذلك إذ بلغه أن الخوارج قد عاثوا في الأرض فسادًا وسفكوا الدماء وقطعوا السبل واستحلوا المحارم، وكان من جملة من قتلوه عبد الله بن خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أسروه وامرأته معه وهي حامل فقالوا: من أنت؟ قال: أنا عبد الله بن خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم،  وإنكم قد روعتموني فقالوا: لا بأس عليك، حدثنا ما سمعت من أبيك، فقال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي» فاقتادوه بيده فبينما هو يسير معهم إذ لقي بعضهم خنزيرا لبعض أهل الذمة فضربه بعضهم فشق جلده، فقال له آخر: لم فعلت هذا وهو لذمي؟ فذهب إلى ذلك الذمي فاستحله وأرضاه وبينا هو معهم إذ سقطت تمرة من نخلة فأخذها أحدهم فألقاها في فمه، فقال له آخر: بغير إذن ولا ثمن؟ فألقاها ذاك من فمه.

ومع هذا قدموا عبد الله بن خباب فذبحوه، وجاءوا إلى امرأته فقالت: إني امرأة حبلى، ألا تتقون الله، فذبحوها وبقروا بطنها عن ولدها، فلما بلغ الناس هذا من صنيعهم خافوا إن هم ذهبوا إلى الشام واشتغلوا بقتال أهله أن يخلفهم هؤلاء في ذراريهم وديارهم بهذا الصنع، فخافوا غائلتهم، وأشاروا على عليّ بأن يبدأ بهؤلا.

ثم إذا فرغ منهم ذهب إلى أهل الشام بعد ذلك والناس آمنون من شر هؤلاء، فاجتمع الرأي على هذا، وفيه خيرة عظيمة لهم ولأهل الشام أيضًا، فأرسل على إلى الخوارج رسولاً من جهته، فقال: اخبر لي خبرهم، واعلم لي أمرهم واكتب إلي به على الجلية، فلما قدم عليهم قتلوه ولم ينظروه، فلما بلغ ذلك عليًا عزم على الذهاب إليهم أولا قبل أهل الشام.
وقد قاتلهم الإمام علي قتلاً ذريعًا وانتصر عليهم في موقعة النهروان.

اضافة تعليق